Featured Video

الخميس، 24 نوفمبر 2016

التفكير طريقك إلى العبقرية والإبداع

التفكير طريقك إلى العبقرية والإبداع


 

صورة طفل عبقري يبتكر

 
بقلم عادل فتحي عبدالله 
"ليس هناك حدود للعقل يقف عندها سوى تلك التي اقتنع بوجودها"

نابليون هيل 


كاتب أمريكي  ومستشار الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت

العقل البشري.. ذلك المخلوق العجيب، الذي لا نستخدم منه إلا جزءً يسيرًا، ولا ندرك إمكاناته الخارقة التي حبانا الله تعالى بها.

 يقول كثير من العلماء إننا لا نستخدم سوى 10% من إمكانياتنا العقلية فقط.. وأننا لو استخدمنا 20% من إمكانياتنا العقلية نستطيع أن نحفظ عشر معلومات كل ثانية لمدة 70 سنة تقريبًا، أو على الأقل نخزن هذه المعلومات في الذاكرة، 
هذا الجهاز العجيب (المخ) يتبادل مع جميع أجزاء الجسم عددًا من الرسائل يقدر بخمسين مليون رسالة عصبية في الثانية الواحدة، في جميع أوقات اليوم، وحتى ساعات النوم.

وهذه الرسائل المخية تنطلق من المخ إلى جميع أجزاء الجسم بسرعة مذهلة، هذه السرعة قدرها العلماء بسرعة 360 ميلاً في الساعة.

قدرة الدماغ في نقل البيانات


ولكي تعرف مدى القدرة الهائلة للدماغ في نقل وتبادل المعلومات وفي التخزين، يكفيك أن تعرف أن طول الأوعية الدموية الدقيقة في 1 مم مكعب من المخ حوالي  1400مم.

أما مساحة سطح جدران تلك الأوعية فيساوي 500 ملم مربع، وهذا يعني أننا لو استطعنا مد هذه الأوعية الدقيقة في خط مستقيم لبلغت نحو 1120 كيلو مترًا!!

ويقول العلماء أنك لو استخدمت 40% من قدراتك العقلية لاستطعت إتقان 7 لغات بطلاقة، وقراءة 100 ألف مجلد وحفظها عن ظهر قلب.

إن العباقرة والمخترعين ليسوا أمرًا نادرًا بين البشر بسبب الوراثة فحسب، بل لأنهم يستطيعون استغلال أجزاء أكبر من المخ مما نستغله نحن،
إليك هذه القصة المشهورة عن أحد ملوك الهند والذي يدعى (شيرهام)
..

مخترع عظيم 


قام أحد وزراء شيرهام باختراع لعبة مسلية تحتاج إلى ذكاء وتفكير عميق.. ألا وهي لعبة الشطرنج! وحين عرضها الوزير على الملك شيرهام أعجب بها الملك أيما إعجاب!
ثم نظر إلى الوزير في إعجاب. وقال: أيها الوزير لقد قررنا لك مكافأة عظيمة.. اختر ما تشاء واطلب ما تريد!!

قال الوزير: حسنًا مولاي أنا أريد منك أن تمنحنى حبة قمح واحدة عن المربع الأول في رقعة الشطرنج هذه وعن المربع الثاني حبتين، وعن الثالث 4 حبات قمح، وعن المربع الرابع ثمان حبات.. وهكذا حتى يكتمل حساب حبات القمح عن المربع رقم 64!!

قال الملك: الأمر كذلك.. ذلك شيء يسير، يا حراس: افعلوا ما طلب الوزير، وأعطوه حَبات القمح على ما ذكر..
فجاء الحراس، وجاء أمين المخازن ليعد حبات القمح المطلوبة ليمنحها للوزير مكافأة له على اختراع لعبة الشطرنج..

فماذا حدث؟!!
وضع الحراس في الحاوية حبة قمح عن المربع الأول، وحبتان عن المربع الثاني وأربعة عن المربع الثالث وثمانية عن المربع الرابع و16 حبة عن المربع الخامس و32 حبة عن السادس... وهكذا.

يقول بيل جيتس في كتابه "المعلوماتية بعد الإنترنت" في سرد هذه القصة: "وبانتهاء عد حبات المربع الثامن في نهاية الصف الأول جمع مسئول تموين الملك إجمالي عدد الحبات في الصف فوجدها 255 حبة.

ولم يبد الملك عندئذ على الأرجح أي قلق! صحيح أن مجموع عدد الحبات في الصف الأول من اللوحة ربما فاق العدد الذي توقعه لكن لا شيء مدهشًا قد حدث..
ولو أننا افترضنا أن عد كل حبة يستغرق ثانية واحدة فسيكون عد الحبات حتى الآن استغرق 4 دقائق فقط.

فإذا كان الصف الأول استغرق عد حباته 4 دقائق، فحاول أن تخمن كم من الوقت يستغرقه عد حبات القمح لكل المربعات الأربعة والستين.. أربع ساعات؟ أربعة أيام؟ أربع سنوات؟!!

في اللحظة التي انتهى فيها مسئول التموين من الصف الثاني، كان قد عمل لمدة ثماني عشرة ساعة عد فيها 65535 حبة، وعند نهاية الصف الثالث من الصفوف الثمانية للوحة، كان قد استغرق 194 يومًا في عد 16.8 مليون حبة قمح لعدد 24 مربعًا.
 وكان لا يزال أمامه أربعون مربعًا فارغًا عليه أن يملأها!!!

وبكل تأكيد فإن الملك قد نقض عهده مع الوزير لأن الوصول إلى المربع الأخير في اللوحة معناه وضع كمية من حبات القمح تبلغ 18446744073709551615 حبة، وهذا العدد يستغرق في العد 584 بليون سنة، في حين أن عمر كوكب الأرض الذي نعيش عليه منذ بدء الخليقة حتى الآن لم يتعدى 4.5 بليون سنة فقط، 

وطبقًا لأغلب الروايات لهذه الأسطورة الهندية، فإن الملك في مرحلة ما من مراحل العد أدرك أنه قد خدع، (وأن هذا الوزير خارق الذكاء والعبقرية)، فأمر بقطع رأسه".

الحقيقة أن أي شخص لديه علم بقواعد الرياضيات ويعمل عقله بسرعة، يدرك منذ بداية القصة أن الوصول إلى المربع 64 أمر مستحيل، بل قبل ذلك بكثير.
لأن تضاعف الأعداد في المربع التالي لكل مربع سيعطينا أعدادًا مهولة، كما سبق ذكره، لكن ما هي المشكلة؟!

المشكلة أننا جميعًا لا نستخدم عقولنا.. ولا نحاول التفكير... وإذا فكرنا نستخدم جزءً بسيطاً جدًا من العقل. ولا نفكر بعمق، ونتسرع في التفكير.. 
وصدق أرسطو حين قال:
"إذا أقنعت الناس أنك تفكر فإنهم سوف يحبونك، لكن إذا جعلتهم يفكرون فإنهم سوف يكرهونك".

اقرأ أيضًا : التفكير الإبداعي 




الأربعاء، 23 نوفمبر 2016

كيف تشكل الألعاب شخصية طفلك

كيف تشكل الألعاب شخصية طفلك

طفل يستخدم الاألعاب بذكاء

بقلم: عادل فتحي عبدالله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة ولسلام على رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وعلى آله وصحبه ومن والاه،
وبعد:

فإن الطفل يحتاج للعب كما يحتاج للغذاء، سواء بسواء، وقد أدرك هذه الحاجة معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم، قبل أن يدركها علماء النفس بعدة قرون، فكان يلاعب الأطفال ويمازحهم، ومن ذلك مزاحه مع عمير الأخ الصغير لأنس، حيث كان يقول له:[يا عمير ما فعل النغير]([1]) لعصفور كان يلعب به عمير.

ومن هذا الحديث استنبط العلماء عدة فوائد:
 منها جواز لعب الأطفال ببعض الحيوانات ما لم يكن في ذلك أذى للحيوان.
 ومنها جواز إمساك الطير في القفص ما دام يطعمه ويسقيه، وجواز إنفاق المال فيما يلعب به الطفل من اللعب المباح.

وجاء عن السلف رضي الله عنهم التصابي للصبي، واللعب معه، كيف لا والنبي عليه الصلاة والسلام أطال السجود في الصلاة حين ارتحله الحسين؟
 فقد جاء في الحديث الشريف عن شداد ـ رضي الله - أنه رأى الحسن أو الحسين على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فأطال السجود، فلما قضيت الصلاة قال الناس:
"يا رسول الله, إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها فظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك".

 قال: (فكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجلة حتى يقضي حاجته)([2]).

ولو أن ذلك الأمر حدث لأحدنا فربما أوقع الصبي من على ظهره، ونهره بعد الصلاة. وهذا الأمر يحدث بالفعل نتيجة جهل بعض الآباء بالسنة النبوية الشريفة وجهلهم كذلك بشخصية الطفل وطريقة التعامل معه.

ومن الأقوال المأثورة في هذا المجال: "داعبوا أبنائكم سبع، وأدبوهم سبع، وصاحبوهم سبع، ثم اتركوا لهم الحبل
على الغارب
".

اللعب في السنوات الأولى للطفل

ومعلوم أن الطفل في سنواته الأولى من العمر، وقبل أن يبلغ الحلم ليس عليه من التكليف شيء، وقبل السنوات السبع الأولى ليس على الوالدين تعليمه الصلاة، ولا تدريبه عليها لأنه لا يحسن ذلك الأمر، إنما حياته كلها لعب.
 ولا يجب أن نضيق على الطفل في اللعب في تلك السن بل يجب أن يشبع رغبته من اللعب، بل وبعد هذه السن يجب أن يسمح الوالدين للطفل باللعب في وقت محدد، ولا يخفى أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كان يدرك ذلك الأمر، وكان يسمح
للسيدة عائشة رضي الله عنها بتحقيق تلك الرغبة في اللعب حين كانت حديثة السن.

فكان يسرب بنات صديقات لها ليلعبن معها في البيت، وكان يرى معها بنات لعب تلعب بهن فكان يمازحها في ذلك، وكان يدعها تنظر للحبشة، وهم يلعبون بالحراب في المسجد، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:
"جاء حبش يزفنون (يرقصون) في يوم عيد في المسجد فدعاني النبي صلى الله عليه وسلم فوضعت رأسي على منكبه فجعلت أنظر إلى لعبهم حتى كنت أنا التي انصرفت عن النظر إليهم"([3]).

والأمثلة على تقدير النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة الأطفال إلى اللعب كثيرة.
ويرى البعض أن اللعب يجعل الطفل يستمتع بالحياة، ومن ثم يشبع تلك الرغبة والتي عن طريق إشباعها ينشأ نشأة سوية، وعندما يكبر لا يصاب بعقد نفسية ولا غيرها، ولا يحتاج لإشباع رغبات الطفولة التي لم تشبع، ولعل هذا الأمر يلاحظه بعض الآباء الذين يجلبون اللعب لأبنائهم ويلعبون هم بها!

أهداف اللعب عند الأطفال


ويرى عالم الانثروبولوجيا ادوارد نوربك:                                        
"أن الهدف الأساسي للعب ذو أهمية أعمق للطفل فالأطفال الذين يلعبون يتم تحريضهم في المقام الأول على الاستمتاع بالحياة تلك هي القيمة المجربة البارزة للعب، ذلك أنه من دون قدرة الاستمتاع بالحياة، قد تصبح سنوات الرشد الطويلة مملة ومرهقة"([4]).

كما أن اللعب مهم جداً في حياة الطفل وذلك من ناحية مساعدته في عملية التخيل، ولا يخفى على كل مطلع ما لهذا التخيل من أثر فعال في حياة الطفل، يقول جون تندول:
"لقد كان انتقال نيوتن من تفاحة ساقطة إلى قمر ساقط عملاً من أعمال الخيال المتأهب..أما فاراداي فقد مارس هذه الموهبة على الدوام، فكانت سابقة مرشدة لجميع تجاربه، وترجع قدرته وخصوبته كمكتشف –إلى حد كبير إلى القوة الدافعة للخيال".

وقد عرف علماؤنا المسلمون هذا الأمر منذ مئات السنين، حيث يقول الإمام أبي حامد الغزالي- أستاذ التربية في عصره – كلاماً جميلاً في هذا الاتجاه، يقول:"..فإن منع الصبي من اللعب، وإرهاقه في التعليم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكائه"([5]).




([1]) رواه البخاري.
([2]) رواه أحمد وأبو داوود والنسائي.
([3]) رواه البخاري ومسلم.
([4]) الأطفال والإدمان التلفزيوني-ماري وين-ترجمة/عبد الفتاح الصبحى-عالم المعرفة.
([5]) أبو حامد الغزالي "إحياء علوم الدين" – كتاب رياضة النفس.



  

السبت، 19 نوفمبر 2016

مضار أسلوب القسوة والعنف في التربية

مضار أسلوب القسوة والعنف في التربية 
بقلم:عادل فتحي عبدالله
طفلة تعرضت للضرب والقسوة

يظن بعض الآباء أن الشدة والقسوة هما عماد التربية، وأن الطفل لن يتربى، ولن يلتزم بالخلق القويم إلا إذا أخذ بالشدة، إنهم يقولون أن هذه طريقة الآباء والأجداد، وأنهم تربوا هكذا، وأنه لا ينفع الدلع الذي يتبعه آباء هذه الأيام مع أولادهم...!
والحقيقة أننا نحن الآباء نريد أن نسيطر على أبنائنا، ولا نريد لهم أن يتصرفوا بحرية مسؤولة ومنضبطة، لأننا هكذا تم السيطرة علينا من قبل آبائنا، وهكذا تربينا، ومن ثم نريد أن نكرر نفس التجربة مع أبنائنا.......
وقد يكون السبب أننا لا نعرف غير هذه الطريقة في التربية، أو أن هذه الطريقة هي أسهل الطرق من وجهة نظرنا، فهي لا تحتاج أكثر من حنجرة قوية، وعصا غليظة-أو رفيعة مؤلمة-ووجه عابس، مكفهر..! وكل هذه الأمور من السهولة بمكان عند الكثيرين.
أما التفكير في طريقة تربوية في استيعاب مشاكل الأولاد، والبحث وراء الدوافع الحقيقية وراء بعض سلوكياتهم-والتي عادة ما تتسم بقدر من العناد، أو عدم الطاعة، أو حتى التمرد والعصيان- أمر يحتاج منا إلى بعض الجهد، والتعب، والنصب..
مضار اسخدام أسلوب الشدة والقسوة في التربية
ولو أننا علمنا الأضرار التي تسببها الشدة والقسوة في التعامل مع الأولاد، لما تساهلنا في استخدام مثل هذا الأسلوب في التربية، ومع أن الله تعالى أرشدنا في القرآن الكريم إلى استخدام اللين والرحمة في التعامل، حيث قال في كتابه العزيز:
 {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } آل عمران159
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }الأعراف199
    وتلك كانت نظرة المتقدمين والمتأخرين من علماء التربية، والاجتماع من العرب والمسلمين،
 ومن غيرهم من العلماء الغربيين في العصر الحديث، يقول العلامة بن خلدون:
(إن إرهاف الحد مضر بالمتعلم لا سيما صغار الولد ، لأنه من سوء الملكة ، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر ،وضيق على النفس في انبساطتها..
وذهب بنشاطها ، ودعا إلى الكسل ، وحمل على الكذب والخبث ، والتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهرعليه،
وعلمه المكر والخديعة لذلك ، وصارت له هذه عادة ، وفسدت لديه معاني الإنسانية من حيث الإجتماع والتمدن ، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله ، وصار عيالا على غيره في ذلك ،
بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ، فانقبضت عن غايتها ، ومدي انسانيتها ، فارتكس وعاد في أسفل السافلين ، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ، ونال منها العسف .

فينبغي للمتعلم في متعلمه ، وللوالد في ولده أن لا يستبدوا عليهم في التأديب .

وقال أبو محمد بن أبي زيد في كتابه الذي ألفه في حكم المعلمين والمتعلمين :
 لا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا .
ومن كلام عمر رضي الله عنه : " من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله " حرصا على صون النفس من مذلة التأديب ، وعلما بأن المقدار الذي عينه الشرع لذلك أملك له فإنه أعلم بمصلتحته 

ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال:
 " يا أحمران ، أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه ، وثمرة قلبه ، فصير يدك عليه مبسوطة ، وطاعته لك واجبة ، فكن بحيث وضعك أمير المؤمنين .....
أقرئه القرآن ، وعرفه الأخبار ، وروّه الأشعار ، وعلمه السنن ، وبصره بمواقع الكلام وبدئه ، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته ، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلو عليه ، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها .
من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ، ولا تمعن في مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه ،
 وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة ، فإن أباها فعليك بالغلظة والشدة "[1]
وهذا ما يؤكده ابن سينا في ( السياسة ) حيث يقول :
 " إنه من الضروري البدء بتهذيب الطفل وتعويده ممدوح الخصال منذ الفطام ، وقبل أن ترسخ فيه العادات المذمومة ، التي يصعب إزالتها إذا تمكنت من نفس الطفل ، أما إذا اقتضت الضرورة الالتجاء إلى العقاب فإنه يجب مراعاة منتهى الحيطة والحذر.
فلا يؤخذ الوليد أولا بالعنف ، وإنما بالتلطف ثم تمزح الرغبة بالرهبة ، وتارة يستخدم العبوس ، أو ما يستدعيه التأنيب . وذلك وفق كل حالة خاصة ....ولكن الالتجاء إلى الضرب لا يكون إلابعد التهديد والوعيد وتوسط الشفعاء لإحداث الأثر المطلوب في نفس الطفل "
ولقد تبين من الدراسات والأبحاث التي أعدت حديثاً (أن الأطفال الذين تم معاقبتهم بقسوة في منازلهم كانوا أكثر احتمالاً أن يكونوا منحرفين، وضد المجتمع في مرحلة المراهقة، وأكثر عدوانية مع الأطفال الآخرين والمعلمين.

فالطفل عندما يتعامل بالقوة الجسمية، فإنه يتعلم، ليس فقط أن العدوان طريقة مؤثرة وفعالة للوالدين للحصول على ما يريدونه، وإنما في نفس الوقت يتعلم كيف يستخدم العنف والعدوان لأغراضه الخاصة في مواقف أخرى.
 كذلك دلت الدراسات على أن القسوة في عقاب الأطفال على عدوانهم في المنزل، يرتبط ارتباطاً موجباً بمقدار ما يبديه الأطفال من عدوان في خيالاتهم وأوهامهم.
ومعنى هذا أن الأطفال الذين يشتد آبائهم في عقابهم، يزد عندهم العدوان في أفعالهم الوهمية بالدمى والعرائس وما إليها.
وأخيراً يمكن القول أن هناك صلة بين ما يلقاه الطفل في مرحلة تنشئته والدياً،
 واجتماعياً من أساليب معاملة بالتسلط والقسوة والاهمال والرفض وبين العدوان..)[2]





[1] ) ابن خلدون في المقدمة ، دار مكتبة الهلال ـ بيروت ـ 1983 هـ
[2] )دكتور أحمد السيد محمد إسماعيل(مشكلات الطفل السلوكية وأساليب معاملة الوالدين ص142-143)- دار الفكر الجامعي- الاسكندرية-ط2-1995م

مشكلة الكذب عند الأطفال

مشكلة الكذب عند الأطفال

صورة طفل يضع يده على فمه خوفا من الكذب

بقلم: عادل فتحي عبدالله
تمهيد:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين.
وبعد:
فإنه مما لا شك فيه أن مسؤولية تربية الأبناء مسؤولية عظيمة، ومهمة جليلة، وتحتاج منا جميعًا الكثير من الجهد والفكر والعلم والمعرفة، فلم تعد التربية كما كانت في السابق مهمة سهلة ميسورة من الممكن أن تُترك للظروف، أو للمؤسسات التعليمية وحدها، أو للمؤسسات الاجتماعية المختلفة، فقد تغيرت الظروف، وتطور المجتمع، وتقدمت وسائله، وتطورت أدواته.
كما لم يعد مقنعًا أن نربي أبنائنا كما تربينا نحن، وبنفس الطرق التقليدية القديمة، إن التربية اليوم تحتاج إلى علم وفن ودراية بنفسية الأبناء وطرائق تفكيرهم، ولقد دلت الأبحاث والدراسات الحديثة على الآثار الخطيرة التي تتركها التربية الخاطئة للطفل على مستقبله.
فكثير من العقد النفسية التي يتعرض لها الطفل في مراحله الأولى تترك في حياته ندبًا وآثارًا ضارة لا تنمحي مع الزمن، وتؤثر تأثيرًا كبيرًا في طرق تعاطيه مع معطيات الأحداث والوقائع المختلفة.
ولا شك أن للطفولة مشاكل يومية كثيرة، وأن التعامل مع هذه المشاكل يحتاج منا إلى فهم لطبيعتها ووعي وإدراك لأبعادها، وبعد نظر لما ورائها، وهذا كله لا يتأتى من دون قراءة وإطلاع لعالم الطفولة المليء بالأسرار.

الكذب عند الأطفال هل هو مشكلة حقًا؟!!

بعد أن تناول أحمد وجبة الإفطار قال لأمه: لقد أمسكت القطة منذ قليل من ذيلها، والحقيقة أن أحمد لم يخرج من البيت، ولم يرَ أي قطة..
ترى هل أحمد يكذب؟!
إن هناك أحد أمرين: إما أنه يتخيل أنه قد أمسك قطة من ذيلها..
وإما أن هذا حدث فعلاً لكن في المنام..
* الكذب الخيالي*
إن الطفل في المرحلة العمرية من (2: 5) سنوات لا يستطيع التفرقة بدقة بين الواقع والخيال، فيخلط بينهما، حتى الأحلام قد يحكيها على أنها حقائق.
إن هذا الموضوع قد يستمر في حالات نادرة مع طفل المرحلة الابتدائية، ففي إحدى المدارس الأهلية في مدينة (جدة) بعد أن ذهب أحد الأطفال إلى بيته في يوم من الأيام، حكى لوالده أن الأستاذ فلان أخذه من يده وذهب به إلى البحر، ومشيا سويًا على الشاطئ، فاتصل الأب مباشرتًا بالمدرسة مستنكرًا ما حدث، وكادت أن تحدث مشكلة كبيرة للمعلم.
حيث أن المعلم لم يخرج مطلقًا من المدرسة في ذلك اليوم، وكذا الطفل لم يغادر المدرسة إلا عند وقت الانصراف.
لكن ماذا يفعل الجميع، والطفل يدّعي أن هذا حدث؟! وفي اليوم التالي حين جاء الأب بالابن ليستنكر ما حدث وليحقق في الموضوع، وتبين له بما لا يدع مجالاً للشك أن الابن لم يغادر المدرسة إلا وقت الانصراف، عُرض الطفل على المرشد الطلابي، والذي توقع أن يكون هذا الموضوع حلمًا لدى الطفل، فأخذ الطفل، وسأله: أنت طبعًا يا بني تحب الأستاذ فلان؟، قال: نعم، قال: ربما أنك حلمت أن الأستاذ فلان أخذك في رحلة إلى البحر؟ قال الطفل: نعم..
فقد كان الموضوع كله حلمًا، لا حقيقة له، وتم حل الموضوع، بحمد الله..
إن غالبية الأطفال دون الخامسة لا يفرقون بين الواقع والخيال، وبعض الأطفال في الصفوف المبكرة في المرحلة الابتدائية كذلك يخلطون بين الواقع والخيال ولهذا يجب على الآباء أن يدركوا هذا الموضوع ولا يتسرعوا في الحكم على الأشياء قبل التثبت والتأكد.
إن هذا النوع من الكذب يسمى (الكذب الخيالي)، وهو كذب مؤقت يزول مع تقدم الطفل في العمر.
لكن ينبغي على الوالدين أن يبينا للطفل الفرق بين الواقع والخيال، وأن هذا الذي يدعيه الطفل إنما هو تخيل.. ليس ذلك في كل الأمور طبعًا، فليسمحا له ببعض التخيل، مدركين أن هذه مرحلة، وسوف تمر بسلام إن شاء الله.

* الكذب الدفاعي *

هذا النوع من الكذب شائع بين الأطفال عمومًا، وهو كذب لدفع العقاب والأذى، فإذا كسر الطفل شيئًا مهمًا فلابد أنه سينكر هذا الفعل، لدفع الأذى والعقاب عنه، خصوصًا إذا كان الوالد يسرف في عقاب الطفل.
فالوعيد الشديد والعقاب المبالغ فيه سيؤديان هنا لمزيد من الكذب والإنكار، وحتى نعود الطفل على الصراحة وقول الحقيقة، ينبغي أن نراعي ظروفه، وقدراته، ونلتمس له العذر في كثير من الأحيان، ولا نعاقبه كما نفعل مع الكبار الذين يفهمون ويعقلون ويدركون.
وحتى لا يكبر هذا النوع من الكذب الدفاعي مع كبر الطفل، ينبغي علينا أن نتعامل مع الطفل بنوع من الحكمة، ونشجعه على قول الحقيقة، ولا نكثر من التهديد والوعيد.
* الكذب الانتقامي*
وينشأ هذا النوع من الكذب لدى الأطفال نتيجة لشعور الطفل بالرغبة في الانتقام من أحد الزملاء، والذي ربما يكون قد تسبب له في الأذى، ولم يستطع هو الدفاع عن نفسه، فيتهم ذلك الطفل بعمل ما شنيع لينال عقابًا رادعًا.
أو يحدث نتيجة للغيرة من ذلك الطفل لسبب ما، وكثيرًا ما يلجأ الأطفال لمثل هذا النوع من الكذب، حتى على الأشياء البسيطة والتافهة.
إن الرغبة في الانتقام لدى الأطفال تكون قوية وجامحة وذلك لأنهم ينفعلون بقوة وبسرعة، وإن كانوا يهدأون بسرعة، وينسون بسرعة، إن الكذب الانتقامي عادة ما يستمر لدى الأطفال في سنواتهم المبكرة، لكن المشكلة الحقيقية هي أن بعض الآباء والأمهات قد يساعد في تفاقم هذه المشكلة وليس في دحرها والقضاء عليها.
وذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: تفضيل أحد الأبناء على الآخر وإظهار ذلك في طريقة التعامل أمام الآخرين، مما يدفع إخوته للانتقام منه عن طريق حيلة الكذب وإدعاء ما لم يحدث منه، بغية أن يعاقبه الوالدان.
الأمر الثاني: أن بعض الآباء يصدق هذا الكذب، ويعاقب المدعي عليه بغير تحقيق في الأمر، مما يجعل الطفل الكاذب يكرر هذا الخطأ مرة ومرة، لأنه قد وجد نتيجة إيجابية من هذا الكذب، وعلى الوالدين أن يمتلكا الحس الذي يستطيعون به أن يفرقوا بين كذب الأطفال، وبين صدقهم، وهذا يأتي بالخبرة والفطنة، والملاحظة المستمرة للأطفال.
وللحديث بقية..



الأربعاء، 23 مارس 2016

أخطاء الآباء في تربية الأبناء

أخطاء الآباء في تربية الأبناء

صورة أب يدخن وهو يتصح ابنه
بقلم: عادل فتحي عبدالله
قال الله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ،  كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
(3-2 :سورة الصف )

تعتبر المشكلة الرئيسة في أخطاء الآباء والتي قد لا ينتبهون إليها ،أنهم كثيراً ما يعاقبون الأبناءعلى أشياء هم يرتكبونها بالفعل، وأولادهم قد تعلموها منهم، وهذا يحدث معنا جميعا ، ربما أننا لا نريد منهم أن يرتكبوا  نفس الأخطاء، وهذا من حقنا، ولكن الطفل لن يفهم هذا الأمر، الطفل يقلد، فحسب.

إنه يتعلم بالممارسة، وليس بالفلسفة، لا يعرف معنى الخير، والشر، والحق، والجمال.. إنه يعرف أباه، ويحبه، كما يعرف أمه ويحبها، ومن ثم فهو يفعل مثلما يفعلان، ويقلدهما، ومن ثم عندما يعاقب على شيء هما يفعلانه يشعر بالحزن والأسى.

كما أنه لا يفهم لماذا يعاقب على هذا الأمر، بالرغم من أن أباه أو أمه يفعلانه؟!!
على سبيل المثال، يقوم بعض الآباء بسب الطفل بألفاظ معينة عندما يخطأ، ومرة بعد أخرى يحفظ الطفل هذا السباب، ثم يقوم الطفل بسب الأم أو الأب بنفس الألفاظ التي سبق وسبه بها الأب أو الأم!

فيقوم الأب أو الأم بعقاب الطفل، فيستغرب الطفل، ويبكي بشدة، فهو لا يعرف لماذا يعاقب؟!
إنه لم يفعل-من وجهة نظره-شيئاً يستحق العقاب، إنه فعل ما فعله الوالدان معه من قبل.
الطفل لا يعرف الفرق بين الألفاظ، ولا يفهم معانيها بدقة، ولا يدرك الفرق في التعامل بين الكبير والصغير..إلخ

وقبل أن تعاقب طفلك انتبه لنفسك، ولا تعطيه الخيط، فإذا جذبه غضبت منه، وعاقبته، بل كن المثل الأعلى، وحاول أن تنته عما تنهاه عنه أولاً.

قصة المتسلقان

يقول د/مسلم تسابحجي (في أحد الأيام كان هناك متسلقان، يصعدان طريقاً جبلياً، وفجأة وجدا نفسيهما وجهاً لوجه أمام دب ضخم، جلس أحدهما فوراً على الأرض، وسحب زوجاً من أحذية الركض، من حقيبته الموضوعه على ظهره، وبدأ ينتعلهما بسرعة، بعد خلع حزام التسلق الضخم،
 فحدق المتسلق الآخر فيه مندهشاً ثم سأله: ماذا تفعل؟ هل تظن أنك تستطيع أن تسبق الدب؟!
أجاب المتسلق الأول: ليس المهم أن أسبق الدب، المهم أن أسبقك أنت!!

لا مانع من أن نفكر كما فكر المتسلق الأول في بعض السياقات، ولكن هذا النمط من التفكير غير مقبول، وغير عملي عندما نكون في إطار الأسرة،
كان الحل لدى المتسلق الأول هو الهروب، ومحاولة إبعاد نفسه عن الموقف الصعب،
وربط نجاته بقدرته على التفوق في المناورة، وهزيمة الآخر، الذي يصبح ضحية لذلك الموقف الخطير. 

ولكن عندما يكون ذلك الآخر جزءاً مني وأنا جزء منه، فلا معنى لنجاتي من دون نجاته، إلا إذا قبلنا بالقول الشائع: نجحت العملية، ولكن المريض مات.

كثير من الآباء يهربون من المواقف الصعبة، يهربون من تحمل المسؤولية، ويحاولون إلقائها على شخص آخر، لذلك يتركون كثيراً من واجباتهم، التي لا يستطيع غيرهم القيام بها،
يتركونها  للروضة أو للمدرسة، أو لمقدمي الرعاية،

 أو لأي جهة يرسلون الأطفال إليها...لا تتبن طريقة المقاول العام في القيام بواجبك التربوي، باستعمال أو استئجار مقاولين فرعيين، للقيام بالعمل الفعلي، المتمثل في تربية أبنائك..
أحياناً أشرح واجب الآباء والأمهات في تحمل المسؤولية بمثال بسيط:

هل حدث معك أنك اكتشفت – بعد انتهائك من تزرير أزرار القميص بقي زر في الأعلى ليس له عروة، أو بقيت عروة ليس لها زر؟، بالطبع كل منا قد مر بهذه التجربة المضحكة، خاصة عندما نكون على عجلة من أمرنا، كيف نكتشف عادة أننا أخطأنا؟
طبعاً عندما ننظر إلى المرآة، ونرى قبة مرتفعة، وأخرى منخفضة،

ماذا نفعل عادة؟ طبعاً سوف نتحمل المسؤولية ونصحح الخطـأ.
إلى أين نتجه بأيدينا عادة عندما نريد إصلاح خطأ؟
طبعاً باتجاه أنفسنا، وبالرغم من أننا رأينا الخطأ هناك في المرآة، إلا أن أي عاقل منا لن يتوجه إلى المرآة ليصلح الخطأ..لماذا؟؟

لأننا إذا توجهنا بأيدينا نحو المرآة فسنكسرها، ونجرح أيدينا، ولا نرى الخطأ، بالرغم من أنه مازال موجوداً!
أبناؤنا -أيها الإخوة القراء- هم مرآة لنا، نرى في تصرفاتهم انعكاساً لتصرفاتنا، نسمع في كلامهم صدى أقوالنا، فإن لم يعجبنا شيء من أفعالهم أو أقوالهم، فلنتجه إلى أنفسسنا فنصلح ما بها،
الطفل العنيد وراءه أم أو أب أعند منه، والطفلة التي تخاف وراءها –عادة- أم تخاف أكثر منها، والطفل الانفعالي وراءه أسرة
قد رضع منها الانفعال...مساكين أنتم يا أبنائنا، ما أكثر ما نعاقبكم بسبب أخطائنا!..)

وصدق الشاعر العربي الأصيل الذي عبر عن ذلك بقوله:

 يا أيها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ             هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ 

تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي       الضَّنَى كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ 

ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا         فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ 

فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى       بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ 

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ                 عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

اقرأ أيضاً : كيف تشكل الألعاب شخصية طفلك

كيف تحمي طفلك من الأفكار السلبية



كيف تحمي طفلك من الأفكار السلبية

صورة تجريدية تحذر من الأفكار السلبية
بقلم: عادل فتحي عبدالله

تعد الأفكار السلبية عن الذات، والتي عادة ما تنبع من العقل الباطن، والذي يخاطبك بأسلوب التأنيب والتوبيخ بصفة دائمة أو شبه دائمة، تعد هذه الأفكار من مثبطات الثقة بالنفس.
الصوت الداخلي الذي يحدثك دوماً بأفكار سلبية، ويحاول بين الحين والآخر الحط من شأنك ومن قيمتك، ومن إنجازاتك... هذا الصوت الداخلي السلبي يجب أن تواجهه بكل قوة وحسم، ولا تسمح له بأن يحطم معنوياتك ويفقدك الثقة بالنفس!!

كثيرا ما نجد هذا الخاطر يداعب أولادنا بين الحين والآخر، وقد يساهم في تحطيم معنوياتهم، أو الحد من تطلعاتهم، أو -على أقل تقدير- يمثل عائقا كبيراً أمام تفوقهم الدراسي، ومن هنا صار لزاماً علينا أن نوضح لهم هذا الأمر ونحذرهم من التمادي فيه بشكل أو بآخر.

وهذه نبذة مختصرة عن تلك الأفكار السلبية، وتأثيراتها ، وسبل التخلص منها ومكافحتها، والحد من آثارها المدمرة على الذات والمجتمع.

ما علامات هذه الأفكار السلبية؟!


تتخذ تلك الأفكار عادة طابع الخوف على النفس، والحرص على الإنجاز، لكنها في الحقيقة ما هي إلا مثبطات للإنجاز، ومدمرات للذات، ومن أمثلة هذه الأفكار وعلاماتها المقولات الآتية:
أنا فاشل!
أنا لا أستطيع أبداً التحكم في تصرفاتي.
أنا لا أقدر على فعل هذه الأمور لأنني تعودت على الإهمال منذ الصغر، وهكذا سأظل.. إنني دائماً ما اقترف الأخطاء ثم اضطر للاعتذار، إنني كسول.. هذه هي طبيعتي ولن تتغير... الخ.

مثل هذه المقولات السلبية يسميها عالم النفس أوجين ساجان (الناقد المرضي)، إنه ناقد داخلي ذاتي دائماً ما يؤنبك ويلومك على الأخطاء، ويتهمك دوماً بكل نقيصة، ويعمل على إجراء المقارنات بينك وبين غيرك من الناس لصالح هؤلاء الناس بصفة دائمة، فيتهمك بالفشل لكونك لم تحقق تلك الإنجازات التي حققها هؤلاء الناس.

كما أنه يتهمك بالفشل وعدم تحقيق معايير النجاح، مع أنه قد وضع لك معايير صعبة جداً لتحقيق النجاح، هذه المعايير من المستحيل تحقيقها ثم يطالبك بتحقيقها فإن لم يتم تحقيقها بالفعل، فأنت فاشل!!

هذا الناقد المرضي الداخلي لا يلومك هكذا بدون أسباب أو مبررات... كلا إنه ناقد منطقي جداً، وفي غاية العقلانية – كما يبدو في الظاهر – إنه يقدم لك المبررات المنطقية على فشلك ليقنعك بالفشل..

لكنه ناقد خبيث إذ يحدثك بالمنطقية والعقلانية، لكنه في ذات الوقت يرتكب أكبر السقطات المنطقية، لكن بدون أن يشعرك بهذا، إذ يقع في التعميم الزائد، والتعميم المتسرع، وغيرها من السقطات المنطقية، لكن لكونه يتحدث إليك بعقلانية فإنك تصدقه، ولا تدقق كثيراً في اختياراته، وإرشاداته التي تبدو أنها في صورة نصح لك،

 لكنها في الحقيقة مثبطة للهمم، وفاقدة للثقة أو مفقدة للثقة في النفس بطريق أولى؛ لذلك يجب التفرقة الحقيقية بين الناقد المرضي، والناقد الصحي، فالناقد المرضي فيما يبدو أنه يخاف عليك ويدفعك للعمل والإنجاز، لكنه في الحقيقة يعمل على إفقادك الثقة بالنفس، وتعزيز المشاعر السلبية لديك، ويمنحك إحباطات كثيرة..

لكن الناقد الصحي، هو صوت داخلي ينتقد أخطائك في سبيل إصلاحها، فهو لا يستخدم عبارات مثل: أنت فاشل.. فلان أفضل منك لأنه كذا.. أتذكر فشلك في تحقيق كذا وكذا في الماضي؟! أنت دائما ما تستخدم نفس الأدوات، ولا تستطيع تغييرها...الخ.
الناقد الصحي لا يستخدم مثل هذه العبارات مطلقاً، إنما يستخدم عبارات مثل: لقد أخطأت التقدير يجب علي أن أصحح ما قمت به سلفاً..

إنني فشلت في كذا لكنني نجحت في تحقيق أمور أخرى كثيرة، لقد حان وقت العمل... لا وقت للتبكيت والملامة.
إخفاقاتي السابقة في الماضي كانت لظروف معينة وقد تغلبت على هذه الظروف الآن، يجب أن أتخذ الفشل طريقاً للنجاح بأن أتعلم من أخطاء الماضي ولا أكررها.. لقد نجح الآخرون في أشياء تناسبهم ولقد نجحت في أشياء أخرى تناسبني (وكل ميسر لما خلق له)..