القراءة هدية العمر التي سيشكرك عليها طفلك مستقبلا
بقلم: عادل فتحي عبدالله
ترى ما هي أعظم هدية يمكنك أن تقدمها لطفلك، والتي سيشكرك عليها طفلك مستقبلاً، وسيجد فيها طريقا لمستقبل رائع بإذن الله تعالى؟
لا أبالغ إذا قلت لك إنها القراءة، القراءة لطفلك وهو صغير، وتعليمه القراءة أيضاً، وتنشئته على حب القراءة،
القراءة ليست هواية بل هي ضرورة لبناء الإنسان، وهي رياضة العقل، وإثراء الفكر، ونماء المعرفة، وبناء الشخصية المتكاملة، كما أنها تزكي النفس، وتنقي الوجدان، خصوصاً قراءة القرآن والأذكار والعلوم الربانية، والقراءة بصفة عامة ممدوحة لأنها طريق الإنسان إلى المعرفة، والتحقق منها، لذلك كانت أول ما نزل من الوحي على قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5))
سورة القلم:1-5
لكن للأسف أمة اقرأ صارت الآن لا تقرأ إلا قليلا.
القراءة حياة، من لا يقرأ فهو ميت، وقد كتبت عن القراءة في كتابي "فنون التعامل مع الأطفال والمراهقين" أن (عملاق الأدب العربي-عباس العقاد-يقول: "لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمرا في تقدير الحساب، إنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحداة في هذه الدنيا،
وحياة واحدة لا تكفيني، لا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة،
القراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة... لأنها تزيد عن هذه الحياة من ناحية العمل، وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب،
فكرتك أنت فكرة واحدة، شعورك أنت شعور واحد، خيالك أنت خيال واحد.. فليس قصارى الأمر أن الفكرة تصبح فكرتين، وأن الخيال يصبح خيالين، كلا..
تصبح الفكرة بهذا التلاقي مئات الفكر في القوة والعمق والامتداد.."
يقول أحد الشعراء الإنجليز: "قد تكون عندك ثروة ضخمة لا تساويها ثروة أخرى في العالم ولكنك لن تكون أبدا أغنى مني فقد كانت لي أم اعتادت أن تقرأ لي.."
لماذا نقرأ للطفل؟!
تعتبر القراءة حجر الأساس في بناء الإنسان، وتنشأ رغبة الطفل في القراءة وحبه لها من سن مبكرة جداً، ويكون السبب المباشر في هذا الموضوع-خلاف الميول الفطرية- البيئة المحيطة بالطفل،
"فإن الشخصية لا تتشكل مع ولادة الطفل، بل يكتسبها بفعل تفاعله واتصاله ببيئته قبل كل شيء، لذا تتخذ شخصية الطفل الصيغة التي تطبعها بها المؤثرات الثقافية، أي أن شخصية الطفل تتحدد بفضل ما يمتصه من مجمل عناصر الثقافة.
لذا فإن الشخصية هي وليدة الثقافة أولاً، وهذا يعني أنه لولا البيئة الثقافية لما تبلورت شخصيات الأطفال، حيث تهيئ هذه البيئة أسباب نمو الشخصية من خلال تكون ذلك النسق من العناصر التي يتميز بها الطفل.
وبذا تكون شخصية الطفل صورة أخرى مقابلة لثقافته التي ترعرع في أحضانها، إلى حد كبير.
حيث تعتبر عملية تكون الطفل بالدرجة الأولى عملية يتم فيها صهر العناصر الثقافية المكتسبة، مع صفاته التكوينية، لتشكلا معاً وحدة وظيفية، متكاملة تكيفت عناصرها بعضها مع بعض تكيفاً، متبادلاً،
لذا فإن الطفل يعد صنيعة للثقافة إلى حد كبير"
مع أن الثقافة ذات معنى شامل، لكننا لا نستطيع إنكار أن القراءة جزء منها، وأنها إحدى وسائلها القوية، والفعالة.
ولهذا ينبغي أن نقرأ للطفل منذ نعومة أظفاره، ولا نتركه هكذا للظروف، والأحوال، يحب القراءة أو لا يحبها، يهتم بها أولا يهتم...وإذا أردنا أن نعدّد فوائد القراءة للطفل وأهميتها فإننا بصدد بحث كبير لا تحصيه هذه الوريقات الصغيرة، لكننا نذكر هنا بعض الفوائد المهمة:
تمد القراءة الطفل بالمعلومات الضرورية لاكتساب المعرفة، ومن ثم تساهم في بناء شخصيته بناءً جيداً، كما تعتبر القراءة العامل المشترك الأساس بين جميع المواد، فبغير تحسين القراءة وتجويدها -بالنسبة للطفل العادي- لا يمكن فهم أية معرفة أو علم من العلوم.
تساهم القراءة في تطوير خيال الطفل، واتساع آفاقه، ومن ثم تساهم في زيادة قدرته على الابتكار والابداع، ونحن نعلم مدى أهمية الخيال بالنسبة للطفل، خصوصاً في مراحله الأولى من العمر.
تنمية اللغة لدى الطفل منذ سن مبكرة مما يساعده على التفكير الجيد، حيث أن اللغة وعاء الفكر، ويساهم الاثراء اللغوي في تنمية القدرة على التفكير اللفظي، وهو نوع متطور من التفكير.
يكتسب الطفل عن طريق القراءة القدرة على التعبير عن الأفكار، والاتصال الجيد مع الآخرين، ومن ثم يصبح شخصاً اجتماعياَ، كما يكتسب القدرة على الحوار والاقناع، وهي قدرات مهمة للنجاح في الحياة بصفة عامة.
كما تساعد القراءة للطفل من قبل الأم أو الأب، في تنمية قدرات الطفل على الانصات الجيد، وتنمي لديه كذلك القدرة على التركيز،
ومن ثم تعتبر مقدمة جيدة للتعلم المدرسي، حيث يصبح الطفل لديه الاستعداد الكامل للإصغاء للمعلم أو المعلمة، مع حسن الاستفادة من علمه، لأنه اصغاء يحمل في طياته التركيز والاستيعاب، وليس اصغاء يحمل شرود الذهن، والسرحان..
تنمية حب القراءة والبحث والاطلاع لدى الطفل، ومن ثم تنمو لديه سلوكيات تساعده مستقبلاً على بناء شخصيته بطريقة أفضل، وتصبح شخصيته مستقلة، لها القدرة على النقد والتحليل، والاختيار بين المواقف، ومن ثم لا يصبح شخصاً إمعياً،
فليس الشخص القارئ الباحث عن الحقيقة مثل الشخص الذي يسير في الدنيا هكذا مع الآخرين، بدون وعي كامل لما يدور حوله.
وفي الحديث النبوي الشريف:
"لا يكن أحدكم إمّعة، قالوا: وما إمّعة يا سول الله؟!
قال: يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، إن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس
فأحسنوا وإن أساءوا تجنبوا إساءتهم"
والقراءة كذلك تكسب الأطفال حب اللغة العربية، لغتنا الجميلة، لغة القرآن الكريم، واللغة العربية تمثل لنا الكثير والكثير، وحين يحب الولد اللغة العربية يمكنه تعلمها بسهولة، بل وإتقانها كذلك، وحب اللغة العربية يجعل الولد مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بوطنه، وحضارته، ودينه وهويته، ومهما حدث لا يمكنه مطلقاً أن يتغرب أو يبيع قضايا وطنه، وأمته.
كما تساعد القراءة الطفل على نمو مهارات التعلم الذاتي، ونحن لدينا في مجتمعنا العربي والإسلامي-كذلك في المجتمعات الغربية- عدد من المفكرين العظماء والذين نبغوا في مجالات الفكر والأدب، وغيرها من المجالات، دون أن يدخلوا مدارس، أو يتعلموا تعلماً في مؤسسات رسمية، وإنما نبغوا عن طريق القراءة والتعلم الذاتي.
كما ترفع القراءة مستوى الطفل في التعبير عن أفكاره، ومشاعره، وترتقي بمستواه الفكري والتنظيري في المستقبل، خصوصاً وأنها تساعده في الاتصال بالتراث البشري على مدى العصور المختلفة، ولا يتحقق هذا بغير القراءة.
وأخيراً تعتبر القراءة نوع من أنواع التسلية، بل هي أفضل تسلية وترفيه، حيث أنها تجمع بين التسلية والنفع العام، بالنسبة للطفل، ويمكن للأم أن تقرأ للطفل (حدوتة قبل النوم) من أي كتاب،
بحيث تعود الطفل على شكل الكتاب وتحببه في القراءة، وذلك بدلاً من أن تحكي له قصصاً ليست ذات معنى أو قصصاً مرعبة مثل تلك التي تحكيها بعض الأمهات لأطفالهن وتتسبب في اصابتهم بالأحلام المزعجة، وبالأنواع المختلفة من المخاوف.
وينبغي أن تحتوي الصفحة في كتاب الطفل على كلمات قليلة ومكتوبة بخط كبير، كما يجب أن تحتوي على رسومات تحوي ألواناً مشوقة ومبهرة).
الحقيقة أن القراءة هي الطريق إلى المستقبل، بل إن القراءة هي الماضي والحاضر والمستقبل، أكثر الأمم قراءة هي أكثرها تقدماً، وعندما كنا نحن أمة الإسلام في طليعة الأمم كنا أكثر الأمم قراءة وترجمة للكتب، وثقافة وعلما، وأخذ منا العالم الكثير من العلوم وبنى عليها، حتى إذا تركنا القراءة وهجرناها مالت بنا الريح، وغرقت سفينتنا أو تكاد، وواجب علينا نحن الآباء قبل الأبناء أن نعود أدراجنا، وأن ندرك أهمية القراءة، وأن تكون لنا قراءاتنا الخاصة اليومية والضرورية، حتى يرانا أبناؤنا فيمتثلون أخلاقنا وطباعنا ويتعودون القراءة.
اقرأ أيضاً : عود طفلك على تحمل المسؤولية في 10 خطوات



