Featured Video

الأحد، 29 مارس 2026

التربية الحديثة للطفل

 التربية الحديثة والتربية القديمة

انتشرت في الآونة الأخيرة مصطلحات مثل التربية الحديثة والتربية الإيجابية ونحوها، فهل هناك فعلا تربية حديثة وتربية قديمة؟

لقد درسنا التربية في محاضنها الأولى وعلى يد فلاسفتها المعاصرين والقدامى فما وجدنا غير تربية واحدة، لكن المشكلة لم تكن يوما تكمن في نوع التربية حديثة أم قديمة، لكن في طرائق التربية نفسها ووسائلها، أما لو تحدثنا عن فلسفة التربية فإننا سنجد أن هناك بونا شاسعا وأمدا بعيدا بين التربية في النموذج الغربي المادي والتربية في النموذج الشرقي المتوازن، لا سيما أن كلاهما يستقي من معين مختلف عن الآخر، ولا مجال هنا لمناقشة الأسباب والدوافع وراء ذلك.

ومع هذا فإن هناك أسس وقواعد لابد منها لكل من تصدى لموضوع التربية وكل من اعتلى هذه المنزلة الرفيعة، وهذه الأسس وتلك القواعد لا يختلف عليها اثنان ذوا عقل راجح، ومن أهم هذه الأسس:

القدوة

   والقدوة تعنى وجود نموذج يحتذى به، هذا النموذج يمتثل القيم سلوكًا وأخلاقًا، قولاً وفعلاً، فيكون أولى لنفسه من غيره بالالتزام بهذه القيم، حتى وإن لم يتحدث بها، ويكون مثالاً حيًا لهذه القيم، وأهميتها وجدوى تطبيقها ونفعها.

والله سبحانه وتعالى أرشدنا لهذا الموضوع فى قوله عز وجل" {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب 21).

وقد نبّه النبى "صلى الله عليه وسلم" على دور القدوة فى تعليم الأخلاق عندما نصح المرأة التى ظن أنها تكذب على ابنها بعدم الكذب عليه، وذلك حين كان عبد الله بن عامر يلعب وهو صبى فدعته أمه قائلة له تعالى أعطك، فقال لها رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمرًا قال: "أما إنك لو لم تعطه كتبت عليك كذبة" الحديث رواه أحمد وصححه الألبانى فى صحيح الجامع الصغير برقم (1319).

يقول محمد قطب: "والقدوة الصالحة من أهم المعينات على تكوين العادات الطيبة، حتى إنها لتسير معظم الجهد فى كثير من الحالات، ذلك أن الطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه، وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم فى الصلاة، حتى من قبل أن يتعلموا النطق، ويصيح تعويدهم عليهم أمرًا سهلاً فى الموعد المحدد".  

العادة وأثرها في التربية

وهو مبدأ هام وضرورى قرره الإسلام من قبل أن يقرره علماء التربية فى الغرب بعدة قرون. وأهم ما ورد فى شأن هذا الموضوع حديث رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم فى المضاجع" رواه أحمد 

فالطفل حين يتعود الصلاة لمدة ثلاث سنوات، خمس مرات فى اليوم والليلة، عند بلوغه عشر سنوات يستطيع أن يتقنها، ويحافظ عليها، فإذا بلغ سن التكليف، ويكون ذلك عند سن الرابعة عشرة تقريبًا، فإنه يكون قد تعود الصلاة بالفعل، إذ أنه يؤديها أكثر من ست سنوات حسب سن بلوغه.

ولا يشك الكثير من الناس فى أهمية العادة كوسيلة من وسائل التربية الأخلاقية وزرع القيم والعادات الحميدة المرغوبة. وأن من تعود حتى على عادة سيئة يكون من الصعب عليه أن يتركها، بغير عزيمة صادقة وإرادة قوية، وتوفيق من الله تعالى من قبل ومن بعد.

ولذلك فطن علماء التربية الحديثة لدور العادة فى تعلم القيم الأخلاقية، يقول دوركايم: "إن الطفل حين يكرر عملاً مرات عديدة، فإنه يشعر بالرغبة فى إتيانه بالطريقة نفسها، ويكره أن يدخل على طريقة أدائه أى تغيير ولو كان طفيفًا"()

طريقة توضيح القيم:

فالمتعلم يحتاج قبل أن نعمله أى قيمة أخلاقية أن نوضح له مفهوم هذه القيمة، وكيفية ممارستها وأهمية ممارستها وخطورة عدم ممارستها، هذا التوضيح هام جدًا للطفل، ولأى شخص مطلوب منه التعلم. 

وقد تكلم عن أهمية هذه الطريقة عدد من علماء التربية فى الغرب منهم على سبيل المثال "لويس ران" و "هارمن" و "سيدنى سيمون" فى كتابهم "القيم والتعليم"().

إن القيم حين يتعرف عليها الطلاب والمتعلمون، ويختارونها بأنفسهم، ويشعروا بحاجتهم إليها، سوف يكونون أكثر ارتباطًا بها، وتنفيذًا لها.

وإن كان أصحاب هذه النظرية من علماء التربية الغربيين يرون نسبية القيم وحياديتها، فإننا كمسلمين لا نرى ذلك، ونؤمن أن القيم مصدرها الوحى قبل العقل، وأنتنا نأتى من القيم ما أمرنا به ديننا الحنيف، ونبتعد عما استحسنه الناس بعقولهم مما حظره الشرع، أو كان ضارًا بالفرد والمجتمع.

طريقة المناقشة والحوار

وهى من الطرق المهمة فى هذا الموضوع بالذات، وهى تطبيق لمبدأ الحوار ولثقافة الحوار، فهى تطبيق عملى لما يراد تعليمه.

وتعتمد هذه الطريقة استخدام الملاحظات والمقارنات وغيرها ما يستثير عقل المتعلم، وجعله يتخذ موقفًا تجاه القضية والمشكلة موضوع النقاش.

وهذه الطريقة تجعل المتعلم إيجابيًا يشارك بفاعلية فى العملية التعليمية، ولا يصبح الاتصال أُحاديًا كما هو الحال فى التعليم التقليدى.

ولقد عنى الإسلام بهذه الطريقة، حيث قدّم لنا الأخلاق والقيم الإسلامية بطريقة مبررة، ولم يقدمها هكذا فرضًا "على أنه سلطة مطلقة مكتفية بنفسها لكى تكون فى أعيننا أساسًا لسلطان الواجب، بل إن ما يثير العبرة فى هذا المقام أن نلحظ على العكس – العناية الفائقة التى التزمها هذا الكتاب فى غاب الأحيان، حين قرن كل حكم فى الشريعة بما يسوّغه، وحين ربط كل تعليم من تعاليمه بالقيمة الأخلاقية التى تعد أساسه"()

ولقد استخدم هذه الطريقة كثير من علماء التربية فى العصر الحديث من أمثال "كولبرج" ومدرسته، وهذه الطريقة من أهم الطرق فى التعليم، وبخاصة تعليم الأخلاق، وزرعها فى نفوس الطلاب، لأنها تحث العقل على التفكير والتدبر، وهى فى هذا تسير مع دعوة الإسلام الذى "يحترم الطاقة العقلية، ويشجعها، ويربيها لتتجه فى طريق الخير"

وذلك لأن العقل ضرورة حتى فى مجال العبادة، والأخلاق حتى لا يضر المسلم غيره من حيث يريد له النفع، فقلة العقل، وقلة استعماله، أو منحه إجازة مفتوحة أو جزئية يضر بعمل الخير وبالأخلاق أيما ضرر. 

حتى فى العبادة لأن "عبادة الجهال – كصداقتهم – قليلة الجدوى، وهم يضرون أنفسهم من حيث يريدون نفعها، ويؤذون أصدقائهم من حيث يبغون راحتهم"().

إن التفكير يساعد الطلاب فى تنمية مستوياتهم الأخلاقية ودعم ما يعتقدونه بالحجج والبراهيم القوية فيقفون على أرض صلبة، ولا تتزعزع ثقتهم فيما بعد بم يعتقدونه أو يتخلقون به من أخلاق.


الإثابة والتشجيع، والترغيب والترهيب:  


لاشك أن الإسلام فى زرعة للأخلاق فى نفوس المسلمين اعتبر الثواب والعقاب كلاهما من الأسس الهامة فى هذا الموضوع، كطريقة وأسلوب لحث المسلمين على إتباع الخلق الحسن، وإبعادهم عن إتباع سيء الأخلاق. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (فصلى: 46) 

وقال: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60)   

وقال تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } (الحجر: 49-50) 

ولهذا تحدث علماء التربية حديثًا حول هذا الموضوع وطالبوا بضرورة التعزيز (الثواب) وأنه ضرورة لحث المتعلمين على الاستزادة من التعلم، وتثبيت الاستجابة المرغوبة من قِبَلّ المعلمين.

كما أن العقاب أو الزجر يعمل على رفض السلوك السيئ، وعدم تثبيته فى نفوس المتعلمين، ولاشك أن العقاب لا يلجأ إليه المربى إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى للتربية. فقد يكتفى فى بعض الحالات بالإثابة والتعزيز. وهناك حالات خاصة تحتاج للعقاب، وذلك لأن ضررها قد يتعداها إلى غيرها إن توقف عند حدها، وننبه هنا على ضرورة تنفيذ الوعد فى موضوع الإثابة، وعدم وعد الطفل بنوع من الثواب ثم التخلى عنه أو نسيانه.



السبت، 28 مارس 2026

التأخر اللغوي عند الأطفال

 

التأخر اللغوي عند الأطفال

بقلم: عادل فتحي عبدالله

يعتبر الباحثون والأطباء أن الطفل يمكن أن يقال عنه أنه قد تأخر في الكلام إذا بلغ من عامين من عمره ولم يستطع النطق ببعض الكلمات البسيطة، ولكن هل يجب أن ينتظر الوالدان حتى يكمل الطفل عامين بدون أن يتكلم، بالطبع لا، فإنه لا يجب أن ينتظر الوالدان عمر العامين حتى يبدءا في فحص الطفل، ومعرفة ما إذا كان طبيعياً أم لديه أية مشاكل صحية -تعوق قدرته الطبيعية على الكلام- بل عليهما ومنذ الولادة متابعة حالته الصحية،

وعلى سبيل المثال عند زيارة الطبيب لأية مشاكل صحية أخرى قد يتعرض لها الطفل مثل نزلات البرد، وما شابه ذلك، عليهما أن يتأكدا من فحص الأذن،

 والتأكد من السمع لدى الطفل، كذلك التأكد من خلوها من أية التهابات.

كما يجب على الوالدين أيضاً أن يتأكدا من أن الطفل يصدر أصواتاً عند سن الأربعة شهور وهي التي نسميها (المناغاة)، وأنه عند عمر عام تقريباً أو قبله بقليل يتكلم بكلمات بسيطة مثل بابا..ماما.. 


وإن عليهما أن يقلقا بشانه إن لم يتفوه بأي كلمة مفهومة حتى عمر عام ونصف، وأن يقوما بعرضه على الطبيب المختص، لمعرفة حالته والتأكد من سلامة أجهزته المختلفة، خصوصاً السمع والأعصاب.


الأربعاء، 25 مارس 2026

الكذب عند الأطفال المشكلة والحل

الكذب عند الأطفال المشكلة والحل

بقلم: عادل فتحي عبدالله                       
§     الكذب الخيالي

§     الكذب الدفاعي
§     الكذب الانتقامي

§     الكذب لافتقاد القدوة

§     الكذب والوراثة

§     وصايا علمية


الكذب عند الأطفال هل هو مشكلة حقًا؟!!
بعد أن تناول أحمد وجبة الإفطار قال لأمه: لقد أمسكت القطة منذ قليل من ذيلها، والحقيقة أن أحمد لم يخرج من البيت، ولم يرَ أي قطة..
ترى هل أحمد يكذب؟!
إن هناك أحد أمرين: إما أنه يتخيل أنه قد أمسك قطة من ذيلها..
وإما أن هذا حدث فعلاً لكن في المنام..
* الكذب الخيالي*
إن الطفل في المرحلة العمرية من (2: 5) سنوات لا يستطيع التفرقة بدقة بين الواقع والخيال، فيخلط بينهما، حتى الأحلام قد يحكيها على أنها حقائق.
إن هذا الموضوع قد يستمر في حالات نادرة مع طفل المرحلة الابتدائية، ففي إحدى المدارس الأهلية في مدينة (جدة) بعد أن ذهب أحد الأطفال إلى بيته في يوم من الأيام، حكى لوالده أن الأستاذ فلان أخذه من يده وذهب به إلى البحر، ومشيا سويًا على الشاطئ، فاتصل الأب مباشرتًا بالمدرسة مستنكرًا ما حدث، وكادت أن تحدث مشكلة كبيرة للمعلم.
حيث أن المعلم لم يخرج مطلقًا من المدرسة في ذلك اليوم، وكذا الطفل لم يغادر المدرسة إلا عند وقت الانصراف.
لكن ماذا يفعل الجميع، والطفل يدّعي أن هذا حدث؟! وفي اليوم التالي حين جاء الأب بالابن ليستنكر ما حدث وليحقق في الموضوع، وتبين له بما لا يدع مجالاً للشك أن الابن لم يغادر المدرسة إلا وقت الانصراف، عُرض الطفل على المرشد الطلابي، والذي توقع أن يكون هذا الموضوع حلمًا لدى الطفل، فأخذ الطفل، وسأله: أنت طبعًا يا بني تحب الأستاذ فلان؟، قال: نعم، قال: ربما أنك حلمت أن الأستاذ فلان أخذك في رحلة إلى البحر؟ قال الطفل: نعم..
فقد كان الموضوع كله حلمًا، لا حقيقة له، وتم حل الموضوع، بحمد الله..
إن غالبية الأطفال دون الخامسة لا يفرقون بين الواقع والخيال، وبعض الأطفال في الصفوف المبكرة في المرحلة الابتدائية كذلك يخلطون بين الواقع والخيال ولهذا يجب على الآباء أن يدركوا هذا الموضوع ولا يتسرعوا في الحكم على الأشياء قبل التثبت والتأكد.
إن هذا النوع من الكذب يسمى (الكذب الخيالي)، وهو كذب مؤقت يزول مع تقدم الطفل في العمر.
لكن ينبغي على الوالدين أن يبينا للطفل الفرق بين الواقع والخيال، وأن هذا الذي يدعيه الطفل إنما هو تخيل.. ليس ذلك في كل الأمور طبعًا، فليسمحا له ببعض التخيل، مدركين أن هذه مرحلة، وسوف تمر بسلام إن شاء الله.
* الكذب الدفاعي *
هذا النوع من الكذب شائع بين الأطفال عمومًا، وهو كذب لدفع العقاب والأذى، فإذا كسر الطفل شيئًا مهمًا فلابد أنه سينكر هذا الفعل، لدفع الأذى والعقاب عنه، خصوصًا إذا كان الوالد يسرف في عقاب الطفل.
فالوعيد الشديد والعقاب المبالغ فيه سيؤديان هنا لمزيد من الكذب والإنكار، وحتى نعود الطفل على الصراحة وقول الحقيقة، ينبغي أن نراعي ظروفه، وقدراته، ونلتمس له العذر في كثير من الأحيان، ولا نعاقبه كما نفعل مع الكبار الذين يفهمون ويعقلون ويدركون.
وحتى لا يكبر هذا النوع من الكذب الدفاعي مع كبر الطفل، ينبغي علينا أن نتعامل مع الطفل بنوع من الحكمة، ونشجعه على قول الحقيقة، ولا نكثر من التهديد والوعيد.
* الكذب الانتقامي*
وينشأ هذا النوع من الكذب لدى الأطفال نتيجة لشعور الطفل بالرغبة في الانتقام من أحد الزملاء، والذي ربما يكون قد تسبب له في الأذى، ولم يستطع هو الدفاع عن نفسه، فيتهم ذلك الطفل بعمل ما شنيع لينال عقابًا رادعًا.
أو يحدث نتيجة للغيرة من ذلك الطفل لسبب ما، وكثيرًا ما يلجأ الأطفال لمثل هذا النوع من الكذب، حتى على الأشياء البسيطة والتافهة.
إن الرغبة في الانتقام لدى الأطفال تكون قوية وجامحة وذلك لأنهم ينفعلون بقوة وبسرعة، وإن كانوا يهدأون بسرعة، وينسون بسرعة، إن الكذب الانتقامي عادة ما يستمر لدى الأطفال في سنواتهم المبكرة، لكن المشكلة الحقيقية هي أن بعض الآباء والأمهات قد يساعد في تفاقم هذه المشكلة وليس في دحرها والقضاء عليها.
وذلك بأحد أمرين:
الأمر الأول: تفضيل أحد الأبناء على الآخر وإظهار ذلك في طريقة التعامل أمام الآخرين، مما يدفع إخوته للانتقام منه عن طريق حيلة الكذب وإدعاء ما لم يحدث منه، بغية أن يعاقبه الوالدان.
الأمر الثاني: أن بعض الآباء يصدق هذا الكذب، ويعاقب المدعي عليه بغير تحقيق في الأمر، مما يجعل الطفل الكاذب يكرر هذا الخطأ مرة ومرة، لأنه قد وجد نتيجة إيجابية من هذا الكذب، وعلى الوالدين أن يمتلكا الحس الذي يستطيعون به أن يفرقوا بين كذب الأطفال، وبين صدقهم، وهذا يأتي بالخبرة والفطنة، والملاحظة المستمرة للأطفال.
* الكذب لافتقاد القدوة *
الحقيقة أن هذا النوع من الكذب هو أخطر أنواع الكذب على الإطلاق، وفيه يكذب الطفل، ويتعلم الكذب لأنه يرى والديه أحدهما أو كلاهما يكذب.
ومهما تحدث الأب مع الابن عن خطورة الكذب، وحرمته، وقبحه، فإن ذلك لن يكون مقنعًا للإبن، إذا رأى والده يكذب.
لأن القدوة مهمة جدًا بالنسبة لكل من يقوم بعملية التربية، وللأطفال بصفة خاصة، ولهذا حث الإسلام على الصدق مع الأبناء، وبيّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الكذب على الأبناء يحتسب كذبًا، ويُحاسب عليه المسلم.
قال عبدالله بن عامر : (أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيتنا وأنا صبي، قال: فذهبت لألعب، فقالت أمي: يا عبدالله تعالى أعطيك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وما أردت أن تعطيه؟) قالت: تمرًا، قال: (أما إنك لو لم تفعلي كُتبت عليك كذبة)([1]).
بعض الآباء يظن أن الطفل غبي، ولا يلاحظ ما يفعله الكبار، ولهذا يقوم بالكذب أحيانًا للتخلص من بعض المواقف المحرجة، ويظن أن الطفل لم يلاحظ هذا الكذب، والحقيقة أن الطفل أذكى مما نتصور، وهو شديد الملاحظة للكبار، ويستطيع أن يميز الشخصية التي أمامه.
كما يستطيع أن يبدي ملاحظاته حول السلوكيات التي يقوم بها الوالدان، وقد لا يصارح الطفل والديه بهذا الكلام، لكنه يضمره في نفسه، أو يحدث به إخوته الصغار، وربما أساتذته في المدرسة، إننا يجب أن ندرك آباء وأمهات أن الطفل يتعلم بالعادة كثيرًا من الأمور، وهو يقلد الوالدين، فإذا تعود الطفل عمل ما، أو صفة معينة، وترسخت هذه الصفة في نفسه، بمشاهدته ما يؤيد فعلها عند الوالدين، فإنه من الصعب أن يتخلص منها في المستقبل.
يقول جون ديوي –وهو من علماء التربية المعروفين-: (كل العادات تدفع إلى القيام بأنواع معينة من النشاط، وهي تكون النفس، وهي تحكم قيادة أفكارنا، فتحدد ما يظهر منها، وما يقوي، وما ينبغي أن يذهب من النور إلى الظلام)([2]).
(هل الكذب وراثي؟!)
ومن المشكلات التي تستعصي على الحل، اعتقاد بعض الآباء أن أبناءهم يكذبون بالوراثة، لأنهم هم يكذبون، وبالتالي فإن الأبناء ينشأون كذابون، هكذا بالوراثة، ولهذا فهم يستسلمون لهذه المشكلة، ولا يفكرون في علاجها..
وهذا الاعتقاد خاطئ، إذ أن العادات والسلوكيات مكتسبة، ولا تتحكم فيها الجينات الوراثية.
والصدق والكذب، والبخل والكرم، والجبن والشجاعة، وغير ذلك من الصفات، أمر مكتسب، تتحكم فيه ظروف البيئة، وطريقة التربية.
ولا يولد طفل كذاب بالفطرة، ولا سارق بالفطرة، بل الفطرة هي الإسلام وهي الخلق الحسن.
يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كل مولود يولد على الفطرة، وأبواه ينصرانه، أو يهودانه، أو يمجسانه)([3]).
(وقد يلحق الأطفال أذى خطير بسبب المبالغة التي لا مبرر لها فيما يمكن أن تؤدي إليه الوراثة، إذا إغفلنا ما ينبغي من حيطة لابد منها في هذا الشأن.
نظرًا لمعرفتنا المحدودة عن هذا الموضوع، ذلك لأن الوالد أو المعلم إذا لم يلمس في سلوك الطفل سوى صورة لإحدى الخصائص التي كان يتميز بها واحد أو أكثر من أسلافه، تعرض بذلك لإغفال العوامل المباشرة التي أدت إلى نشوء هذه الخاصية، لهذا يُعتبر الإيمان التام بالوراثة أمرًا يدفع إلى اليأس والخيبة، بدلاً من دفعه إلى محاولة إصلاح الأخطاء وتقويمها.
هذا اضافة إلى أن موقف الوالد القلق أو المعلم الخانق كفيل بأن يزيد الآثار التي تؤذي شخصية الطفل، بالإضافة إلى العوامل التي تكون فيها من قبل)([4]).
هذا ويؤكد علماء النفس أن السلوك والعادات والأخلاق كلها أمور مكتسبة ولا دخل للوراثة فيها من قريب أو بعيد (فالسلوك الشاذ سلوك متعلم ومكتسب وليس وراثيًا، وليس ناتجًا عن خلل في وظائف غدد الفرد)([5]).








([1]) رواه أحمد وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (1319).
([2]) (مشكلات الأطفال اليومية) د/ دجلاس توم، ترجمة د/اسحق رمزي: دار المعارف، مصر، 1958م عن: John Deweys Human Nature. Pp (24- 25) new yor.
([3]) الحديث متفق عليه.
([4]) المصدر السابق. Bernard Clueck, Hygien vol 8, no 3.
([5]) (علم النفس في الحياة المعاصرة) د/عبدالرحمن عيسوي: دار المعارف، بدون ؟؟؟

أهمية دراسة نمو الطفل


أهمية دراسة نمو الطفل
بقلم: عادل فتحي عبدالله
     الحقيقة التي يجب أن نعلمها جميعاً هي أن الطفل له طبيعته الخاصة، والتي يجب أن نتعامل معه من خلالها، من أجل معاملة صحيحة ومتوازنة ومثمرة، وحتى لا نضيع أوقاتنا هباءً، في تربيته بطريقة خطأ، قد لا تجدي معه سبيلاً.

     لقد كانت "النظرية التقليدية في التربية تعامل الطفل كأنه رجل صغير، تعامله ككائن يفكر، ويشعر مثلما نفكر ونشعر، وإنما فقط تنقصه المعرفة والخبرة، ولما كان الطفل ينظر إليه على هذه الصورة، فلم يكن أكثر من كبير جاهل.
      فلم تكن مهمة المربي تكوين عقله وتشكيله بقدر ما كانت تتوخى صقله وتهذيبه، فأصبح الظن بأن مادة الموضوع التي يتلقاها من الخارج كافية لأن تكون تمرينا بحد ذاتها.
    لكن المشكلة تصبح مختلفة تماماً، حالما يشرع المرء يواجه فرضية الاختلافات التكوينية، فإذا كان عقل الطفل يختلف اختلافاً نوعياً عن عقولنا،
فإن الهذف الرئيسي في التربية يصبح تكوين وصياغة الطاقة العقلية، والأخلاقية عنده،ولما كانت الطاقة لا تكون من الخارج،
فالمسألة إذاً هي أن نتحرى أنسب الطرائق،
وأفضل البيئات لمساعدته، على أن يكوّن نفسه تكويناً ذاتياً.
     وبعبارة أخرى، يتمكّن من تحقيق تماسك وموضوعية على المستوى العقلي، وأن يحقق تعاوناً على المستوى الخلقي.
    فمن المهمات الأساسية للمدرسة الجديدة إذاً هي أن تعرف ما طبيعة التكوين، وأن لدى مؤسسي المدرسة الجديدة جميعاً إما معرفة حدسية عامة أو معلومات دقيقة.

   فروسو مثلاً كان يؤكد في زمانه بأن لكل عمر طريقته الخاصة به في التفكير، لكن هذه الفكرة لم تصبح إيجابية إلا بعد أن حققها علم النفس في القرن العشرين."[1]
     ولهذا يقول د: ( جوليوس شوارتز) وهو اختصاصي بعهد الأبحاث بنيويورك: " يجب على الآباء أن يقرؤوا الكتب المختلفة عن الأطفال ليس من أجل استخلاص الحقائق لتقديمها للأطفال عند سؤالهم ، لكن من أجل توسيع المعلومات والآفاق التي تمهد لدراسة الطفل وفهمه فهما صحيحا"[2]
        ولهذا عملنا على أن نلقي الضوء على خصائص الطفل وسماته العامة في مراحله المختلفة، حسب ما توصلت الدراسات والأبحاث المختلفة، من أجل تعامل أفضل، قائم على فهم ووعي بطبيعة المرحلة التي يمر بها الطفل.
       حيث أن الطفل لا يفكر كما يفكر الكبار، وإنما له طريقته الخاصة في التفكير، ووزن الأمور، كما سنرى لاحقاً.

     (ويرجع الفضل إلى جيزل في تقديم نظرية النضج Maturational Mheory  في العقد الرابع من هذا القرن-يقصد القرن العشرين-وقد أثر جيزل أثراً كبيراً في مجال نمو الطفل.
    وذاعت كتاباته أكثر من غيرها في ذلك الوقت،ويؤكد أصحاب هذه النظرية على مفهوم النضج، فهم يرون أن النمو يحدث بطريقة ثابتة ومنظمة، داخلية ومتدرجة.
     كما يرون أن العوامل البيئية، ربما تكيف النمو ولكنها لا تقيده، ولا تحدث تقدماً فيه، وهم يصفون مراحل معينة للنمو، ولكنهم لا يحددون الوقت الذي يصل فيه الطفل لهذه المراحل، ويوضح جيزل ويحذر أن معايير العمر ليست موحدة، فهناك فروق فردية يمكن ملاحظتها في كل مرحلة من مراحل النمو.
     كما قدم روبرت "هافجهرست" نظريته عن النمو من خلال تقديم مفهوم مطلب النمو(Developmental Task) ويعتبر النمو                   بأنه سلسلة من الواجبات يجب أن تتحقق في إطار زمني معين، لتحقيق التقدم النهائي على نحو صحيح للفرد، ويقصد بمطلب النمو ذلك المظهر الذي يظهر في فترة ما من حياة الفرد،والذي إذا تحقق إشباعه بنجاح، أدى إلى شعور الفرد بسعادة،

      وأدى إلى النجاح في تحقيق مطالب الفرد المستقبلية، بينما يؤدي الفشل في إشباعه إلى عدم الرضى والشقاء، والرفض من المجتمع، وعدم التوافق مع مطالب المراحل التالية من الحياة.
     وترى هذه النظرية أن النمو هو نتاج تفاعل بين النواحي البيولوجية، والنمط الثقافي للمجتمع، الذي يوجد فيه الفرد، ومستويات طموح الفرد، وعلى ذلك فإن بعض مطالب النمو تظهر كنتيجة للنمو العضوي.
     مثل تعلم المشي في سن معينة من حياة الطفل، وبعضها ينتج عن الآثار، والضغوط الثقافية للمجتمع، مثل تعلم القراءة والكتابة، وبعضها ينتج من القيم التي يعيش بها الفرد، ومن مستوى الطموح الذي يهدف إليه.
    هذا ويعتقد (هافجهرست) أن النمو بمثابة التعلم خلال الحياة، كما قسم النمو إلى ستة مراحل رئيسية على النحو التالي:
1.    مرحلة المهد والطفولة المبكرة(الميلاد-5سنوات)
2.    مرحلة الطفولة المتوسطة(6-12 سنة)
3.    مرحلة المراهقة(13-18 سنة)
4.    مرحل الرشد المبكرة(19-29 سنة)
5.    مرحل الرشد المتوسطة(30-60 سنة)
6.    مرحلة الشيخوخة(70 سنة فأكثر)..)[3]







[1] ) دكتور عبدالعلي الجسماني(علم التربية وسيكولوجية الطفل ص203)- الدار العربية للعلوم – بيروت- 1414هـ-1994م
[2] ) " طفلك بين الثانية والخامسة ص67 " لمجموعة من الباحثين  ـ مكتبة النهضة المصرية - ترجمة عبد المنعم الزيادي.
[3] )د.أسامة كامل راتب(النمو الحركي..الطفولة والمراهقة ص68-96) – دار الفكر العربي-القاهرة- 1411هـ

الأربعاء، 18 مارس 2026

مظاهر نمو الطفل فى السنوات الخمس الأولى

مظاهر نمو الطفل  فى  السنوات الخمس الأولى

يلخص لنا جيزل هذه المظاهر فيما يلى:-
1-   فى السنة الأولى: يتمكن الطفل فى الربع الأول منها من السيطرة على العضلات التى تتحكم فى حركة العينين، بينما يتمكن فى الربع الثانى من السيطرة على العضلات التى تتحكم فى الرأس، كما يتمكن من تحريك ذراعيه ويحاول مد يديه للمس فخذيه.
 ويسيطر فى الربع الثالث من هذه السنة على حركة الجذع واليدين، فيلمس ويقبض على الأشياء بيديه، ويتمكن من نقل الأشياء من يد إلى يد.

 ويتمكن فى الربع الأخير من السنة الأولى من السيطرة على حركة ساقيه وقدميه وحركة الإبهام والسبابة. ويتمكن من جذب الأشياء ودفعها. ويتمكن كذلك من الوقوف منتصبًا.

2-   فى السنة الثانية: يتمكن الطفل فى هذه السنة من المشى والجرى. كما يستعمل كلمات وجملاً بسيطة، ويتمكن كذلك من السيطرة على حركة المعدة والمثانة ويبدأ فى تكوين فكرة عن نفسه وعن ذاته.

3-   فى السنة الثالثة: يتمكن الطفل فى هذه السنة من التعبير عن نفسه فى جمل مفيدة. ويبدى استعداد الفهم للبيئة المحيطة به والاستجابة لمطالب الكبار والمحيطين به، ولا يصبح بعد ذلك مجرد طفل صغير.
4-   فى السنة الرابعة: يسأل الطفل فى هذه السنة من عمره أسئلة كثيرة ويمكنه إدراك التجانس، ويصل إلى مرحلة من التفكير، يتمكن فيها من التعميم كما يتمكن من الاعتماد على نفسه فى العمليات الروتينية اليومية.

5-   فى السنة الخامسة: يتم نضجه الحركى فيقفز ويتزحلق ويتحدث حديثًا خاليًا من لكنة الأطفال، كما يجد نوعًا من الكبرياء فى ملبسه ومظهره وما يقوم به من أفعال.
 كما يكتسب ثقة فى نفسه ويصبح مواطنًا صغيرًا فى عالمه الخاص. 
ويتلخص التسلسل فى النمو فى هذه النواحى كما وجدته فيما يلى:
يأتى ضبط حركات للعينين أولاً فى الأسابيع الأولى، يلى ذلك ضبط عضلات الوجه الخاصة بالضحك وعضلات الرقبة التى تساعد على رفع الرأس وتلفتها، ويتمكن الطفل فى الشهر الأول من رفع رأسه وهو منبطح على بطنه.
 ثم تسرى عملية الضبط الحركى تدريجيًا هابطة على الذارعين والمنطقة العليا من الجذع، فيتمكن فى الشهر الثانى من الاتكاء على ذراعيه وهو منبطح على بطنه ويرفع صدره ورأسه.
وإذا ما نام على ظهره فى الشهر الثالث رفع ذراعيه محاولاً الإمساك بأى شيء، يتدلى أمام ناظريه، دون أن يتمكن.

 ويسرى الضبط الحركى إلى الجزء الأسفل من الجذع بعد ذلك، فيتمكن الطفل من الجلوس بمساعدة مستندًا على ذراعى الأم فى الشهر الرابع.
غير أنه لا يتمكن من الجلوس دون مساعدة إلا فى الشهر السابع.
ويتمكن فى الشهر الخامس من القبض على فنجان أو دمية بيديه معًا وهو جالس،
ويتمكن من التحكم فى قف سبابته وإبهامه فى الشهر السابع حين يتمكن من الجلوس وحده، ويمكنه بذلك أن يمسك بقبضته الأشياء الصغيرة وحده.
ثم تسرى عملية الضبط الحركى إلى أسفل الساقين، فيتمكن فى الشهر الثامن من الوقوف بمساعدة، وفى الشهر التاسع من الوقوف مستندًا على قطع الأثاث، وفى الشهر العاشر من الزحف خلفًا أو بعد التمرين فترة على حركات تشبه حركات السياحة، ثم يزحف بعد ذلك أمامًا.
ويمشى فى الشهر الحادى عشر بمساعدة الآخرين، ويزحف فى الشهر الثالث عشر صاعدًا سلم المنزل، ثم يقف ويمشى وحده فى الشهر الرابع عشر والشهر الخامس عشر.
بعض العوامل التي تؤثر في النمو الحركي
أ‌-       حالة الطفل الصحية وحيويته، فالأطفال الذين يتعرضون للأمراض والضعف العام، يكون نموهم الحركي بطيئاً، فنقص الكالسيوم والحديد، مثلاً يبطئ نمو العظام.
ب‌-      أثبتت بعض الدراسات أن هناك علاقة بين ما يتعرض له الأطفال أثناء الحمل، وفي أثناء الولادة وبين النمو الحركي من مشي واستخدام الأيدي في القبض على الأشياء والولادة.
جـ-   عدم تعرض الطفل للاضطرابات والقلق النفسي له أثره على النمو الحركي.
د‌-     دور البيئة والظروف التي تحيط بالطفل في تنمية النمو الحركي، فتشجيع الآباء والمعلمين ودور الحضانة على نشاط الطفل وحركته له تأثير في النمو الحركي، ولعل من الوسائل الجيدة في نمو الطفل، أن تترك له الحرية وعدم التعجل في اجباره على المشي، وما يجب علينا هو فقط مساعدته، وعدم وضع القيود على حركته ونشاطه، وذلك بتشجيعه، كما يجب ترك حرية اللعب له مع من يريد، وكيفما يشاء.