Featured Video

الجمعة، 22 مايو 2026

التسامح خلق الأنبياء وطريق السعادة

التسامح خلق الأنبياء وطريق السعادة

بقلم : عادل فتحي عبدالله 


صورة معبرة عن التسامح
..يرى المتصفح لسير الأنبياء عموما وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خصوصاً، تجلي خلق التسامح والعفو عند المقدرة، والصفح، بل وأحياناً الدعاء لمن تجاوزوا في حقوقهم بدلا من الدعاء عليهم.

وفي هذا المقال نتناول خلق التسامح وفضائله، وآثاره العظيمة على الصحة النفسية للفرد.

أولا التسامح في القرآن الكريم:

قال الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: 159

"وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" المائدة:13 

﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ النور: 22


 أبرز صور التسامح في قصص الأنبياء:

نبي الله يوسف عليه السلام: نعلم كيف أن إخوة يوسف كادوا له كيداً، وألقوه في غيابات الجب، وهو صغير ثم ادعوا كذبا وزورا أن الذئب قد أكله، وجاءوا على قميصه بدم كذب كما حكى القرآن الكريم، وكان من آثار ذلك أن بيع نبي الله يوسف عليه السلام كالعبيد ، وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، كما جاء في السنة: (إنَّ الكريمَ ابنَ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ)، ثم كان من قصته ما كان مما حكاه القرآن الكريم، ومع ذلك ما كان من يوسف عليه السلام حين طلب منه إخوته العفو -وقد أصبح عزيز مصر وقتئذ – إلا أن غفر لهم وسامحهم، تسامح لا تعيير معه على قبح صنيعهم.

"قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)" وكلمة التثريب تعني التعيير والتوبيخ، يعني أنه سامحهم بدون تعيير ولا توبيخ، وهذا من كريم خلقه.

عفو النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم -خاتم الأنبياء والرسل، ورحمة الله المهداة لخلقه، وفي سيرته العظيمة الرحبة نجد صورا كثيرة من العفو عند المقدرة، نأخذ منها موقفين:

الأول ما رواه جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنَّه " قَالَ جابِرٌ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللِّهِ ﷺ بذاتِ الرِّقاعِ، فإذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجرةٍ ظَلِيلَةٍ تركْنَاهَا لرسول اللَّه ﷺ، فَجاء رجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِين، وَسَيفُ رَسُول اللَّه ﷺ مُعَلَّقٌ بالشَّجرةِ، فاخْترطهُ فَقَالَ: تَخَافُنِي؟ قَالَ: لا قَالَ: فمَنْ يمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللَّه.

وفي رواية أبي بكرٍ الإِسماعيلي في صحيحِهِ: "قَالَ منْ يمْنعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللَّهُ قَالَ: فسقَطَ السَّيْفُ مِنْ يدِهِ، فَأخَذَ رسَول اللَّه ﷺ السَّيْفَ فَقال: منْ يمنعُكَ مِنِّي؟  فَقال: كُن خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ: تَشهدُ أنْ لا إلَه إلاَّ اللَّهُ، وأنِّي رسولُ اللَّه؟  قَالَ: لاَ، ولكِنِّي أعاهِدُك أنْ لا أقَاتِلَكَ، وَلاَ أكُونَ مَعَ قَومٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخلَّى سبِيلهُ، فَأتى أصحابَه فقَالَ: جِئتكُمْ مِنْ عِندِ خيرِ النَّاسِ."

يعني لما أوقع السيف من يد الرجل وأخذه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد ليؤذيه أو ليقتله به، ولكن أراد له الخير كل الخير بدعوته للإسلام ، ومع هذا رفض الرجل وعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. 

الموقف الثاني: موقف فتح مكة وعفو النبي عليه السلام عن كفار قريش الذين آذوه وأصحابه أشد الإيذاء، بل كانوا يعذبون كثيراً ممن أسلم، حتى اضطروهم للهجرة إلى أرض بعيدة، وبلاد غريبة، لكن النبي عليه السلام بخلقه الرفيع، ورقة قلبه، وحبه لهداية الخلق، ما كان منه إلا أنه عفى عنهم، وقال قولته الشهيرة: (يا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم ثم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء) وقد كان ذلك سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً، لما رأوا من سماحة هذا الدين العظيم، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

وهكذا تعلم الصحابة الكرام منه خلق العفو والتسامح، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يعفو عن مسطح ابن أثاثة الذي خاض في عرض ابنته، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعاد ليتصدق عليه، حين نزل قول الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22)) النور :22

كذلك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، حين سرق منه مالا وهو يبتاع في السوق، فأخذ الناس يدعون على السارق، يقولون: اللهم اقطع يده، اللهم انتقم منه، وهكذا..، لكن ابن مسعود قال: (اللَّهمَّ إن كان حمَلَه على أخذِها حاجةٌ فبارِكْ له فيها، وإن كان حملَتْه جَراءةٌ على الذَّنبِ فاجعَلْه آخِرَ ذُنوبِه)

ما هذا التسامح وما هذه الرحمة؟!

لقد ضرب لنا الأنبياء عموما ومحمد صلى الله عليه وسلم خصوصاً أروع المثل في العفو والتسامح، من قبل أن نقرأ عن التسامح في علم النفس، وأثره العظيم على الصحة النفسية للإنسان، إن التسامح يعني نفساً سوية، وقلباً سليماً، خاليا من الأحقاد والضغائن، بل ويعني صحة نفسية عالية.

وما أجمل أبيات الخليل بن أحمد الفراهيدي في التسامح:

سَأَلْزَمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ ... وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ عَلَيَّ الجَرَائِمُ

فَمَا النَّاسُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ ... شَرِيفٌ، وَمَشْرُوفٌ، وَمِثْلٌ مُقَاوِمُ

فَمَنْ فَوْقِيَ أَعْرِفْ لَهُ كَيْفَ قَدْرُهُ ... وَأَتْبَعُ فِيهِ الحَقَّ وَالحَقُّ لَازِمُ

وَمَنْ دُونِيَ أَصْفَحْ عَنْهُ تَفَضُّلًا ... وَإِنْ لَامَنِي فِيهِ السَّفِيهُ اللَّوَائِمُ

وَمَنْ مِثْلِيَ إِنْ زَلَّ أَوْ هَفَا ... تَفَضَّلْتُ، إِنَّ الفَضْلَ بِالفَخْرِ حَاكِمُ

فيديو قصير للدكتور مصطفى محمود يوضح أهمية العفو عن الناس

يقول الكاتب والطبيب النفسي جيرالد جامبولسكي في كتابه "التسامح: أعظم علاج على الإطلاق"

" من خلال مفهوم الحب والروح فالاستعداد للتسامح هو أن ننسي الماضي الأليم بكامل إرادتنا إنه القرار بألا نعاني أكثر من ذلك، وأن تعالج قلبك وروحك، إنه الاختيار ألا تجد قيمة للكره أو الغضب، وإنه التخلي عن الرغبة في إيذاء الآخرين بسبب شي قد حدث في الماضي، إنه الرغبة في أن) نفتح أعيننا علي مزايا الآخرين بدلا من أن نحاكمهم أو ندينهم .


التسامح هو أن نشعر بالتعاطف والرحمة والحنان ونحمل كل ذلك في قلوبنا، مهما بدا لنا العالم من حولنا، التسامح هو الطريق إلى الشعور بالسلام الداخلي، والسعادة، والشعور بهذا السلام متاح دائما لنا يرحب بنا وإن كنا لا نري لافتة الترحيب ولو للحظة لأنها أعمت بصائرنا عن رؤية غضبنا.

" قوة الحب والتسامح في حياتنا يمكن أن تصنع المعجزات"

وبوسعنا أن ننظر إلى التسامح وكأنه رحلة عبر جسر خيالي من عالم نعاني فيه دائما من السخط إلى عالم من الوئام، تلك الرحلة التي تصحبنا إلى كينونتنا الروحية، إلى عالم الحب المتنامي غير المشروط، ومن خلال التسامح نتقبل كل ما تهفو إليه قلوبنا فنتخلص من خوفنا وغصبنا، وآلامنا لننسجم مع الآخرين ونشعر بسمو الروح.


إن التسامح هو الخروج من الظلمة إلى النور ومهمتنا على الأرض أن نسمح لأنفسنا أن ندرك إننا كالنور للعالم، ويسمح لنا التسامح أيضا بالفرار من الماضي وكانت تلك الظلال لنا ولشخص آخر.

ومن شأن التسامح أن يحررنا من سجون الخوف والغضب التي فرضناها على عقولنا، فهو يحررنا من احتياجنا ورغبتنا في تغيير الماضي، فعندما نسامح تلتئم جراح الماضي وتشفي.

 وفجأة ندرك ونري حقيقة حب الله لنا حيث يكون هناك الحب، ولا شيء آخر سواه ومع أتباع هذه الحقيقة فليس ثمة شيء يستدعي التسامح.

وفي كتاب "دروس في المعجزات" هناك فقرة جميلة عن التسامح وقد اقتبستها هنا لأنها تصف الفوائد التي يمكن أن تعود من خلال التسامح

" التسامح يمنحني كل ما أبتغيه"

ما الذي بوسعك أن تبتغيه ثم لا يمنحك اياه التسامح؟!

 هل تريد السلام؟ التسامح يقدمه لك، هل تريد السعادة هدوء البال تحقيق هدف ما؟ إحساس بالقيمة وجمال يفوق العالم؟ هل تريد الرعاية والامان ودفء الحماية دائما؟ هل تريد هدوء لا يعكره شيء ورقة لا يطالها آذى وراحة عميقة دائمة وسكونا رائعا لا يزعجك شيء فيه.

كل ذلك يمنحك إياه التسامح، وأكثر فهو يومض بعينيك عندما تنهض من نومك ويمنحك البهجة، التي تستقبل بها يومك إنه يربت على جبهتك أثناء نومك، ويستقر فوق أجفانك، فلا نري أحلاما بها خوف أو شر أو حقد، وعندما تنهض مرة أخرى يمنحك يوما آخر من السعادة والسلام كل ذلك يمنحك اياه التسامح وأكثر.. تكلمت من قبل عن هذا الجزء من أنفسنا الذي يرانا فقط كجسد وكشخصية، إنه الجزء الذي ينبئنا أن السعادة موجودة في العالم الخارجي من خلال اقتناء الأشياء،

 إنه الجزء الذي يخبرنا أنه إذا كان باستطاعتنا العثور على العلاقة السليمة فسيكون كل شئ في حياتنا مثاليا وهو الجزء الذي يؤمن أيضا أنه عندما تسير الأمور في غير مسارها فالشي الوحيد المعقول فعله هو إن نعثر علي شخص ما، أو موقف ما لنلقي عليه باللوم وقد أطلقنا عليه اسم الأنا .


من المفيد أن نفكر في الأنا وكأنها نظام له ثوابت خاصة به إذا كنا نريد فيمكن أن نتقبل ثوابته أو نبحث عن طرق أخري ننظر بها إلى العالم.

فكر في نظام الأنا علي أنه قائم علي الشعور بالخوف والذنب واللوم، وإذا كان علينا أن نختار مجرد إتباع مبادئها الإرشادية فسنجد أنفسنا دائما في حالة من الصراع، وسوف يتسرب كل سلام أو سعادة حصلنا عليها دون أن ندرك ذلك.


ومع إدراك كيفية عمل الأنا فينبغي ألا يثير دهشتنا أنها لا تؤمن بالتسامح، فسوف تبذل كل جهدها لتقنعنا بأن لا أحد في العالم كله يستحق تسامحنا، وإنها لتصل الي ما أبعد من ذلك بأن نقتنع أننا أنفسنا لا نستحق هذا التسامح،

 فهي توهم نفسك وبقوة الاعتقاد بأن الناس يفعلون أشياء لا يصح أن نسامحهم عليها.


كما تؤمن بأنه علينا أن ندافع عن أنفسنا باستمرار وهي توصل لنا ذلك من خلال مشاعر يمكن اداركها بسهولة فمثلا العقل الذي لا يسامح يكون نتاج الأنا التي تقنعنا بأن الطريقة الوحيدة لحماية أنفسنا هي أن نعاقب الشخص الآخر، بغضبنا وكرهنا له، ليشعر بوفاة ما فعله تجاهنا،

والعقل غير المتسامح للأنا لديه دائما مخزون وافر من الخوف والبؤس والألم والمعاناة واليأس والضجر، إنه العقل الذي يري الأخطاء كخطايا لا يمكن نسيانها.، إن الآثار الجانبية للأفكار غير المتسامحة والتي نحملها في عقولنا يمكن أن نؤثر تأثيرا سلبيا علي سعادتنا، وأهم هذه الآثار الضارة: الصداع،  آلم الظهر،  آلام الرقبة،  آلام المعدة ،وأعراض القرحة،  الاكتئاب،  قلة الطاقة،  القلق،  الانفعال،  الأرق والقلق، الخوف، التعاسة،

ما هو العلاج؟ ما هو أقوي دواء لدينا نعالج به أفكارنا التي سببت لنا هذه القائمة من الأعراض؟ إنه التسامح... إنه علاج قوي ومعجزة ولديه القدرة على جعل هذه الأعراض تختفي."


     


0 comments:

إرسال تعليق