Featured Video

الجمعة، 24 أبريل 2026

نظرية الذات لكارل روجرز المميزات وأوجه النقد

نظرية الذات كارل روجرز

 نظرية الذات لكارل روجرزالمميزات وأوجه النقد

بقلم : عادل فتحي عبدالله

يعتبر كارل روجرز (1902-1987) رائد المدرسة الإنسانية في علم النفس، وصاحب النظرية الشهيرة نظرية الذات، والتي نالت شهرة واسعة على مستوى العالم، ذلك لأنها أولت الجانب الإنساني أهمية قصوى، واعتبرت العميل (المسترشد) هو حجر الزاوية في علاج نفسه وأن المعالج ما هو إلا مساعد ومرشد له فقط ، كما أكدت على الجانب الخير في الشخصية، وأن الأصل في الانسان الخيرية والفطرة السوية، وربما كان لترببة روجرز المحافظة أثرا في ذلك، فإن كارل روجرز لم يغص في اللاوعي كما غاص فرويد، ولم يبرمج السلوك الإنساني كما فعل أصحاب المدرسة السلوكية، لكنه منح الشخصية المقام اللائق بها، وجعل من تقبل العميل كما هو بدون شروط -من قبل المعالج -شرطا أساسيا في نجاح علاجه، ولذلك سميت طريقة علاجه تلك بالعلاج المتمركز حول العميل


إن الحاجة إلى التقدير والقبول والاحترام نالت المكانة الأهم عند روجرز، لأنه يرى أن كل شخص لديه الدافعية الفطرية لتحقيق ذاته، والوصول بها لأعلى الدرجات، فتحقيق الذات عند روجرز غاية الفرد ومنتهاه، ولهذا اعتبر أن الاضطراب النفسي أصلا ينشأ من اختلال هذا الميزان، ميزان ما يصبو إليه الفرد ويسميه روجرز الذات المثالية، وما هو عليه الآن ويسميه الذات الواقعية، واخترع مفهوم التطابق في علم النفس، وهو التطابق المرجو بين الذات المثالية والذات الواقعية.

مميزات نظرية كارل روجرز

النظرة الإنسانية التفاؤلية: 

تميز كارل روجرز بنظرته التفاؤلية الإنسانية للعميل، خلاف من سبقه من علماء النفس المعروفين، حيث يرى روجرز أن الإنسان خير بطبعه وهو يسعى لتحقيق ذاته، وأنه فقط يحتاج لمن ينير له الطريق ويرشده إليه، في حين كانت مدرسة التحليل النفسي مثلا، والتي تزعمها وأصل لها عالم النفس الشهير سيغموند فرويد (1856م -1939م) تؤكد على العدوانية والشهوانية التي يتميز بها البشر حسب وجهة نظرهم، وأن الإنسان في صراع بين تحقيق رغباته وشهواته وبين القيود المجتمعية، وأنه يولد وهو مدفوع بغرائز الهو، خاصة الغريزة الجنسية.

فقد كانت نظرة أصحاب مدرسة التحليل النفسي للإنسان نظرة تشاؤمية إلى حد ما، لكن كارل روجرز جاء بنظرة تفاؤلية واضحة، وهذا ما أدى إلى انتشار نظريته في السنوات الأخيرة، على مستوى العالم، واعتمدها خبراء التربية في معظم المدارس والمؤسسات التعليمية.

ويعرف كارل روجرز الذات على أنها: (تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية، والتصورات والتقييمات الخاصة بالذات، ويعتبره الفرد تعريفا نفسيا لذاته)، وهناك أكثر من مفهوم للذات عند روجرز: 

الذات الواقعية ويطلق عيها أحيانا الذات الحقيقية ، والذات الواقعية، والذات الاجتماعية والذات المثالية.، وتعريف كل منها كالتالي:

الذات المدرك: وهي الذات كما يتصورها الفرد عن نفسه، والتي يعتقد أنه عليها ويتصف بها.

الذات الواقعية: وهي الذات الحقيقية للفرد، وقد تكون هي الذات المدرك وقد تختلف، فليس كل فرد يعرف نفسه حقيقة، بل هناك من يخدع نفسه ويتصورها على حقيقة ما وهي ليست كذلك.

الذات المثالية: وهي الصورة المثالية التي يريد الفرد ويتمنى أن يكون عليها، فهو يحلم أن يحقق صفات هذه الذات المثالية في نفسه، وهذه هي أعظم أمنياته.

الذات الاجتماعية: وهي الصورة التي يعتقد الفرد أن الآخرين يرونه عليها وينظرون إليه من خلالها، وتظهر من خلال تفاعل الآخرين معه، وتفاعله معهم.


استحداث شروط للعلاج النفسي

وضع كارل روجرز مفهوم جديد في العلاج النفسي وهو مفهوم (التطابق)، حيث يرى أن هدف الإرشاد النفسي هو تحقيق التطابق بين الأنواع الأربعة للذات المذكورة آنفا، بمعنى أن الصورة التي يراها الفرد عن نفسه تكون هي نفسها الصورة التي يراها الآخرون عنه، وهي ذات الصورة التي يتمنى أن يصل إليها لتحقيق ذاته، وأن تكون تلك الصورة حقيقية غير متوهمة.

ويحدث هذا عن طريق عدد من الشروط التي ذكرها روجرز وشدد على الالتزام بها، وأهمها:

القبول غير المشروط

يرى روجرز أن كل إنسان بحاجة إلى من يسمعه دون إصدار أحكام مسبقة عليه، ودون مقارنته بغيره، إنه بحاجة إلى من يؤمن به، وبذاته الخاصة جدا، والتي تختلف بالقطع عن ذوات الآخرين، ولهذا وضع شرط التقبل غير المشروط للعميل، فنقبله كما هو بلا تعنيف بلا نقد ، ونستمع إليه بإنصات، ونتفهم مشاعره. 

التعاطف

  والتعاطف يعني أن يكون المعالج قادرا على الإحساس الداخلي بالعالم الذي يعيش فيه المسترشد أو العميل كأنه يعيش مشكلته فعلا، وأن يشعر العميل بهذا التعاطف من قبل المعالج، طبعا بشرط عدم الاندماج الكامل في المشكلة، وإلا أصبح المعالج غير محايد، وانقلب التعاطف إلى تماهي في رؤية العميل، وعندئذ يفقد المرشد أو المعالج النفسي القدرة على العلاج.

الصدق والأصالة

لابد أن يتمتع المرشد أو المعالج النفسي بقدر كبير من الصدق في المعاملة والمشاعر، والتفهم لدوافع العميل ولصفاته ولذاته، وأن يقوم بتوضيح الأمور غير الواضحة للعميل، وأن يساعده على فهم مشاعره الحقيقية، ويحاول الوصول به بصدق لمفهوم التطابق بين أنواع الذات المختلفة.

وضع طريقة جديدة في العلاج النفسي

وضع كارل روجرز طريقة جديدة في التعامل مع المرضى، حتى المفاهيم تغيرت عند كارل روجرز، بداية من طريقة العلاج فهي طريقة (العلاج المتمركز حول العميل) المريض يسمى العميل أو المسترشد، والمعالج يسمى المرشد، ودور المعالج ما هو إلا داعم وميسر للعميل، فهو لا يفرض عيه شيئاً، وإنما ييسر له عملية اكتشاف ذاته، وعملية تفهم مشاعره، ولهذا فإن العميل في هذه العملية هو من يبدأ الجلسة، وهو من ينهيها، وهو من يختار ما الذي يتكلم فيه من الموضوعات التي تشغله وتؤرقه، كل ذلك يحدث في بيئة آمنة مطمئنة، فالمعالج لا يقحم نفسه على العميل، بل يساعده فقط، وذلك لأن كارل روجرز يعتقد أن العميل قادر على إصلاح ذاته والتغلب على الاضطراب، لكنه فقط يحتاج للمساعدة الحقيقية الصادقة المخلصة، يحتاج لمن يسمعه، ويقدره، ويتفهمه، ويتعاطف معه، ومن ثم يرشده ويوضح له حقيقة مشاعره، ويرد على تساؤلاته، ويساعده على التطابق بين ذواته المختلفة، وكل هذه الأمور تساعده على التعافي.

  أهم فنيات العلاج المتمركز حول العميل

الاصغاء والتنفيس: يفسح المرشد المجال للعميل لكي يتحدث بحرية تامة عن مشاعره ومشاكله، ويستمع بإصغاء واهتمام بالغ مما يشعر العميل بالتقدير والاحترام، وعلى المرشد أو المعالج أن يكون ملاحظا جيدا لكل حركة ونظرة للعميل، وأن يستطيع التعرف على إذا ما كان العميل يخفي شيئاً ما أو يتحدث بصدق، بدون ان يظهر له شيئاً من ذلك في تلك اللحظة، لكن عليه ان يكون ذكيا بالقدر الكافي الذي يمكنه من فهم شخصية العميل لمساعدته لاحقا في أن يفهم ذاته هو وأن يتغلب بنفسه على مشكلاته.

عكس المشاعر: يقوم المرشد بإعادة صياغة للمشكلة وما يشعر به العميل، حتى يتأكد منه أنه قد فهم ما عليه العميل فعلا وأنه لم يفهم شيئاً غير الواقع، ولم يحدث عنده أي لبس، وكذلك يشعر العميل عندها بتعاطف المرشد معه وفهم مشاعره حقا كما يشعر بها، وعلى المرشد أن يقوم بتوجيه الأسئلة للعميل، ليس بصيغة السؤال، لكن بطريقة الحوار، ويفضل أن تكون الأسئلة مفتوحة لترك العميل يتحدث بحرية، ويجب أن يكون المرشد ذكيا وذا خبرة في اختيار الأسئلة التي يوجهها للعميل لمحاولة الوصول العميق لفهم العميل.

التوضيح والمواجهة: في هذه النقطة وبعد توجيه بعض الأسئلة الذكية والمفتوحة للعميل، والتأكد من مشاعر العميل والوصول بعمق للفجوة بين ذاته الحقيقية وذاته المدركة، عليه أن يواجهه بما يراه سببا للتباعد الحاصل ومن ثم يساعده في التوافق والوصول للتطابق بين ذواته المختلفة، مما يساعده في حل مشاكله، والتغلب على ما يواجهه من اضطراب. 

النقد الموجه لنظرية كارل روجرز من منظور علماء النفس

النظرة المثالية المفرطة

يفترض كارل روجرز أن النفس الإنسان خير بطبعه، وأنه فقط يحتاج لمن يوجهه ويرشده، ويتجاهل ان الإنسان لديه ميول عدوانية أيضاً يحتاج لضبط ومواجهة.

النظرية لا تخضع للتجريب 

حيث أن المفاهيم التي تقوم عليها النظرية من مفهوم الذات والخبرة والمجال الظاهري، وغيرها كلها أمور ذاتية محضة لا تخضع للتجريب، ولا للبحث العلمي، ومن ثم يصعب قياسها، ويكون الاعتماد فيها على كلام العميل فحسب هو اعتماد ناقص.

الفشل في التعامل مع بعض الحالات

النظرية لا تستطيع التعامل مع حالات الأطفال ولا مع بعض حالات الذهان، لأن كلاهما الطفل أو الراشد المصاب بالذهان الشديد لا يستطيعان التعبير عن مشاعرهما، وليس لديهما القدرة على فهم ما يدور حولهما بدقة، ولا طبيعة العلاقة المجتمعية.
إهمال الصراعات الداخلية

تدعو النظرية إلى التقبل الذاتي، ومن ثم فهي تهمل الصراعات الداخلية للفرد، كما أنها تتجاهل اللاوعي ، وتبتعد عن فهم الجذور العميقة للمشكلة.

التحيز الثقافي 

النظرية مبناها على الثقافة الفردية‘فهي تعزز من قيمة الفرد بشكل مبالغ فيه، على حساب قيم المجتمع، وتدعو إلى التقبل غير المشروط للفرد، وهي لا تناسب المجتمعات التي تعطي الأولوية للمجموع أو التي توازن بين الفردية والجماعية، وتعطي الأولوية لقيم الأسرة والمجتمع.

كلمة أخيرة حول النظرية

لا شك أن نظرية كارل روجرز مفرطة في التفاؤل، في نظرتها للشخصية، فالإنسان يولد ولديه الدوافع للشر وللخير، وليس للخير فقط، وهناك النفس الأمارة بالسوء كما ذكر في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، 

وقال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) ، لكن روجرز يفترض أن الإنسان خير بطبعه وأن الشر يأتي فقط من الظروف الخارجية، لكن الحقيقة أن النزعة للشر أو للخير موجودة في الإنسان ابتداء.

كما أن روجرز ليس عنده معايير أخلاقية محددة معترف بها، ويرى القبول غير المشروط للعميل، وأن العميل هو الذي يحدد المعايير الأخلاقية الخاصة به، وهذا ليس موجوداً في الإسلام ولا في كافة الأديان السماوية، فالمعايير الأخلاقية محددة من قبل الخالق سبحانه وتعالى لأنه هو وحده الخالق، ومن ثم هو وحده يعرف ما يفسد الإنسان وما يصلحه.

 ولو تركت المعايير الأخلاقية لكل فرد يحددها حسب هواه لفسدت الأرض، كما أنه يدع للفرد حريته المطلقة في تحقيق ذاته، ولكن الحرية في الإسلام مقيدة بالشرع وبعدم الاعتداء على حريات الآخرين، كما أن الحرية مرتبطة بالمسؤولية.

كما يعتقد روجرز أن الغاية للفرد هي تحقيق الذات ، بغض النظر عن أي أشياء أخرى، وهي نظرة فردية مادية بحتة، لا تراعي قيم المجتمع ولا تراعي أيضا الأهداف العامة والغايات الكبرى

  











 

 






0 comments:

إرسال تعليق