كيف تقتل الملل وتمنح حياتك معنىً جديداً
بقلم: عادل فتحي عبدالله.
هل تعرف ما السبب الرئيس في الملل؟
إنه الفراغ، نعم هو الفراغ ولا شيء سوى الفراغ، ذلك العدو المخفي، المحبب أحيانا إلى النفوس، لكنه في الحقيقة عدو قاتل إذا لم ننتبه إليه بشكل جيد.
يقول دكتور مصطفي محمود:
"إن الطبيعة تمقت التعطل، وكل فراغ يتواجد في الحياة يمتلئ من تلقاء نفسه بالهم والشقاء"
وقد تناولت في كتابي ( إدارة الوقت) هذا الموضوع وكان مما ذكرته " أن أوقات الفراغ ما هي إلا أوقات لم يتم تخطيطها، ولا بلورتها في إطار العمل اليومي من أجل تحقيق الأهداف التي تسعى إليها.
ومن ثم قد تصبح هذه الأوقات هما ثقيلا على الشخص وتتسبب في ضياع أوقات أخرى مهمة، وقد تصبح إضافة جيدة للشخص إن أحسن استغلالها والاستفادة من ساعاتها.
ما هي أوقات الفراغ؟!
يعرف أرسطو أوقات الفراغ بأنها:
"حالة يمارس فيها الإنسان النشاطات لذاتها"
يعني ليس من أجل هدف آخر يسعى لتحقيقه ومن ثم حين تصبح أوقات الفراغ هكذا، ولا تستغل فإنها تعتبر أوقاتا ضائعة، غير مفيدة، بل مثبطة في بعض الأحيان.
يقول محمد الغزالي- المفكر العظيم: "أوقات الفراغ في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل، وتختمر فيها جراثيم التلاشي والفناء، وإذا كان العمل رسالة الأحياء، فإن العاطلين موتي".
ويقول روديارد كيبلنيخ:
"إذا وثقت بنفسك حين يشك فيك الجميع، وإذا استقبلت النصر كما تستقبل الهزيمة سواء بسواء، وإذا استطعت أن ترى المعول يهدم كل ما كرست حياتك من أجله، وتنهض لكي تبنى مجددا ما قد تهدم، وإذا استطعت أن تملأ فراغ كل دقيقة من حياتك بالعمل المفيد...ساعتئذ ستصبح رجلا يا ولدي!"
إن استطاعتك وقدرتك على أن تملأ أوقات الفراغ بعمل مفيد ما هي إلا دليل بين على حسن التربية، والثقافة العالية التي لديك، والتي حباك الله بها.
أوقات الفراغ قد تصبح مهمة وضرورية في كثير من الأحيان، وذلك أنها أوقات الراحة والاستجمام، وممارسة الرياضية، والأعمال الاجتماعية الأخرى.
وعندئذ تصبح أوقات الفراغ ذات قيمة بالنسبة للفرد والمجتمع، لأن كل من يعمل يحتاج إلى الراحة، وليس هناك من لا يطلب الراحة بعد العمل الشاق....
إن من يحسن فن الراحة، يحسن فن العمل، ومن لا يحسن فن الراحة لا يحسن فن العمل، وكل من يعمل بدون راحة معقولة يصاب بالضغوط النفسية والاكتئاب .
وما فائدة العمل إذا كان سيجلب لصاحبه المرض؟!
يقول دكتور اليكس كارل صاحب كتاب (الإنسان ذلك المجهول):
"إن رجال الأعمال الذين لا يعرفون كيف يكافحون القلق يموتون مبكرًا"
إن القلق والاكتئاب هي أمراض العصر، وقد تأتي لمن يجهد نفسه بالعمل، بلا راحة مطلقا، وهذا ما تجده عند أولئك الذين لا يمنحون أنفسهم قدرًا معقولا من الترفيه كل عام على الأقل.
وهذه بعض المقترحات لقضاء أوقات الفراغ:
الترفيه المناسب: من أجل مواصلة الكفاح في الحياة، والعمل المتواصل، والجد والمثابرة.
ممارسة الرياضة: وهي ضرورة من الضرورات التي قد يتغافل عنها كثير من الشباب والكبار، رغم أهميتها خاصة بالنسبة لكبار السن، من أجل تنشيط الدورة الدموية، خصوصا أن الفرد مع تقدمه في العمر -عند التقاعد عند سن الستين- يفقد ما يعادل 30% من استهلاكه للأكسجين ، وممارسته للرياضة تعتبر ضرورة من أجل استعادة تنفسه الطبيعي، وحصوله على كمية كافية من الأكسجين.
الرياضة بصفة عامة ضرورة من ضرورات الحياة للكبار والصغار على حد سواء، وهى تتعدد مثل (المشي- اللعب- السباحة- ركوب الدراجة- التزلج على الجليد- الجولف- التنس- العمل في حديقة المنزل- ركوب الخيل ....إلخ)
العلاقات الاجتماعية: كالزيارات العائلية، والأعمال الاجتماعية، الأعمال الخيرية، وهذه تمنح الفرد قوة روحية عالية جدا وتساهم في تصحيح المسار في الحياة، كما تجعله أكثر سعادة، لأن المرء يسعد مع الناس، فطبيعة الإنسان أن يسعد مع أمثاله فهو كائن اجتماعي بطبعه.
السفر والرحلات الهادفة: فللسفر فوائد عدة، وللرحلات أهداف سامية عندما تكون رحلات هادفة، فهي تمنحك فرصة للتعرف على العالم وآثار الله في الخلق، وتنوع الطبيعة، وثراءها، ومن ثم فهي تنمى الثقافة لدى الفرد، كما تعزز العلاقة بين الأفراد وتقوى الروابط الاجتماعية.
حفظ القرآن الكريم، والحديث الشريف: إن تلاوة القرآن الكريم وحفظه من الأمور التي تغير مجرى حياة الإنسان، فهي تشرح صدره، وتقوى ذاكرته، وتصقل عقله، وتخلصه من الخوف والقلق، وتمنحه الهدوء والراحة النفسية، وفي دراسة قام بها الأستاذ الدكتور صالح إبراهيم الصنيع أستاذ علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، على مجموعة من الطلاب في المملكة، أكدت الدراسة وجود علاقة بين حفظ القرآن الكريم والصحة النفسية للطلاب، حيث تبين أن كلما زاد حفظ الطلاب للقرآن الكريم كلما تمتع الطلاب بصحة نفسية أعلى، ودرجات عالية من التوافق النفسي.
وكيف لا، والله تعالى يقول: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
"كيف تضيف ساعة إلى ساعات يقظتك"
هذا العنوان الجذاب مستعار من الكاتب الراحل العظيم دايل كارينجى وقد يظن البعض أنه عنوان مبالغ فيه، لكنه حقيقة فعلية لمن جربها..أنت وأنا وجميع الناس يمكنهم إضافة ساعات بل وأيام وشهور وسنين إلى أعمارهم الحقيقية....كيف؟!!
إنها معادلة بسيطة مفادها:
عمل باجتهاد+ فترات راحة متقطعة= إنجاز مضاعف
ولكن كيف تكون هذه الراحة؟! إنها تتبع فنون الاسترخاء..
يقول كارينجي: "اكتشف الجيش الأمريكي بعد تجارب طويلة أن الجنود يسعهم السير أمدا طويلا إذا هم ألقوا عتادهم، واستراحوا عشرة دقائق كل ساعة.
ومن ثم أصدرت قيادة الجيش أمرا بأن يلتزم الجنود هذه القاعدة...والقلب ليس أكثر صلابة من الجيش، إن القلب يدفع الدم في الشرايين كل يوم ما يكفى لملء عربة من عربات قطار البضاعة، كما أنه يبذل من المجهود خلال أربع وعشرين ساعة ما يكفى لجعل 20 طنا من الفحم في كوم ارتفاعه عشرة أقدام.
بعد هذا يقوم بهذه المهمة الشاقة التي لا يكاد يصدقها العقل لمدة خمسين أو سبعين أو ربما تسعين عاما...
فكيف يصمد القلب لهذا المجهود؟!
يجيبك عن هذا السؤال دكتور (والتر كانون) فيقول:
"يعتقد معظم الناس أن القلب دائب العمل بلا توقف! والحقيقة غير هذا تماما...إن ثمة فترة استراحة بين كل نبضة ونبضة، والقلب إذ ينبض بمعدل سبعين نبضة في الدقيقة، وهذا المعدل الطبيعي- فإنما يشتغل في الواقع تسع ساعات فقط كل أربع وعشرين ساعة.
أي أن مجموع ساعات الراحة التي يلزمها القلب يبلغ خمس عشرة ساعة في اليوم"
وفي خلال الحرب العالمية الثانية استطاع (تشرشل) وكان يومئذ قد جاوز الستين من عمره أن يشتغل ست عشرة ساعة متواصلة مضطلعا بأعباء الحرب.
فهل تدرى كيف استطاع تشرشل أن يفعل هذا؟!
كان يعكف على العمل وهو في فراشه حتى الساعة الحادية عشرة صباحا، فيقرأ الأوراق ويصدر الأوامر، ويجرى المحادثات التليفونية ويعقد الاجتماعات العاجلة. حتى إذا تناول الغداء عاد إلى فراشه يستريح ساعة، وفي المساء يعود إلى الفراش مرة ثالثة يستريح ساعتين.
لهذا لم يشك التعب...لأنه أكثر من الراحة، فوسعه أن يصمد للعمل، وأن يقبل عليه كل يوم في نشاط متجدد.
ولقد استطاع (جون د. روكفلر) الأب أن يضرب رقمين قياسيين: الأول أنه جمع أكبر ثروة عرفها العالم في عهده.
والثاني أنه عاش حتى الثامنة والتسعين..فكيف تأتي له هذا؟!!
أما طول عمره فلعل السبب الأول هو الوراثة أما السبب الثاني فهو اعتياده الإغفاء نصف ساعة بعد ظهر كل يوم (وقت القيلولة) في مكتبه، فقد كان يستلقى على أريكة في غرفة مكتبه، ويستسلم للراحة التامة، فلا يقوى أحد على إزعاجه بحديث تليفوني.
ويعزو أديسون (صاحب الألف اختراع) نشاطه الجبار، وقوة احتماله الخارقة، إلى اعتماده الإغفاء أينما شاء، ووقتما شاء.
قابلت أخيرًا "هنرى فورد" صاحب شركة فورد العالمية لصناعة السيارات- قبيل الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين فدهشت حين رأيته في أوج عنفوانه وقوة نشاطه، وسألته عن السر وراء ذلك فقال، "إنني لا أظل واقفا حيث يمكنني الجلوس، ولا أظل جالسا حيث يمكنني الاستلقاء"....
ويستطرد كارينجي حديثه عن الاسترخاء فيقول:
"والعامل يسعه أن يزيد في إنتاجه إذا سلخ من ساعات النهار ساعة للراحة.
وقد أثبت "فرد ريك تايلور" هذه الحقيقة حين كان مهندسا إداريا لإحدى شركات الصلب الشهيرة، فقد لاحظ أن الواحد من العمال ينقل في المعدل نحو اثنى عشر طنا ونصف طن في اليوم، ثم بعد هذا يدركه الإعياء، فـأجرى دراسة علمية لأسباب التعب عامة، صرح بعدها أن العامل من هؤلاء يسعه أن ينقل 47 طنا في اليوم- أي يضاعف إنتاجه أربع مرات- ومع ذلك لا يحس بالتعب كيف؟!
لقد تخير تايلور أحد العمال ليجرى عليه تجربته وأمسك ساعة في يده وراح يقول للعامل وهو ينظر في ساعته: الآن اشتغل..الآن استرح، كانت النتيجة أن نقل العامل 47 طنا من الحديد خلال ساعات العمل المقررة!
السر في ذلك أنه كان يأمر العامل بالراحة قبل أن يدركه التعب..
وكان مجموع ما يشتغله في كل ساعة 26 دقيقة بينما يستريح 34 دقيقة، أي أنه كان يستريح أكثر مما يشتغل، ومع ذلك فقد أنجز من العمل أكثر مما اعتاد أن ينجز وهو يواصل العمل بلا راحة على الإطلاق!
افعل كما يفعل الجيش: استرح في فترات متقطعة أو افعل كما يفعل قلبك قبل أن يدركه التعب، وبذلك تضيف ساعة إلى ساعات يقظتك"
طبعا فترات الاستراحة الطويلة هذه لأن هذا العامل كان يحمل أطنانا من الحديد، فكان يعتب بسرعة فيحتاج إلى فترات راحة طويلة لاستكمال العمل.
لكن الأعمال المكتبية مثلا ستحتاج فترات راحة أقل بكثير...وكل شخص يستطيع أن يقدر فترات الراحة الخاصة بعمله، والتي تمكنه من عدم الشعور بالتعب والإرهاق المضني الذي يفضى به إلى المرض.
فترات الراحة والاستجام ما بين فترات التعب الشديد، والمجهود المضني المتواصل من الأهمية بمكان بحيث تصبح فرضا على العامل وصاحب العمل".

0 comments:
إرسال تعليق