التربية الحديثة والتربية القديمة
لقد درسنا التربية في محاضنها الأولى وعلى يد فلاسفتها المعاصرين والقدامى فما وجدنا غير تربية واحدة، لكن المشكلة لم تكن يوما تكمن في نوع التربية حديثة أم قديمة، لكن في طرائق التربية نفسها ووسائلها، أما لو تحدثنا عن فلسفة التربية فإننا سنجد أن هناك بونا شاسعا وأمدا بعيدا بين التربية في النموذج الغربي المادي والتربية في النموذج الشرقي المتوازن، لا سيما أن كلاهما يستقي من معين مختلف عن الآخر، ولا مجال هنا لمناقشة الأسباب والدوافع وراء ذلك.
ومع هذا فإن هناك أسس وقواعد لابد منها لكل من تصدى لموضوع التربية وكل من اعتلى هذه المنزلة الرفيعة، وهذه الأسس وتلك القواعد لا يختلف عليها اثنان ذوا عقل راجح، ومن أهم هذه الأسس:
القدوة
والقدوة تعنى وجود نموذج يحتذى به، هذا النموذج يمتثل القيم سلوكًا وأخلاقًا، قولاً وفعلاً، فيكون أولى لنفسه من غيره بالالتزام بهذه القيم، حتى وإن لم يتحدث بها، ويكون مثالاً حيًا لهذه القيم، وأهميتها وجدوى تطبيقها ونفعها.
والله سبحانه وتعالى أرشدنا لهذا الموضوع فى قوله عز وجل" {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب 21).
وقد نبّه النبى "صلى الله عليه وسلم" على دور القدوة فى تعليم الأخلاق عندما نصح المرأة التى ظن أنها تكذب على ابنها بعدم الكذب عليه، وذلك حين كان عبد الله بن عامر يلعب وهو صبى فدعته أمه قائلة له تعالى أعطك، فقال لها رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "ما أردت أن تعطيه؟ قالت: تمرًا قال: "أما إنك لو لم تعطه كتبت عليك كذبة" الحديث رواه أحمد وصححه الألبانى فى صحيح الجامع الصغير برقم (1319).
يقول محمد قطب: "والقدوة الصالحة من أهم المعينات على تكوين العادات الطيبة، حتى إنها لتسير معظم الجهد فى كثير من الحالات، ذلك أن الطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه، وأطفال المسلمين يحاكون أبويهم فى الصلاة، حتى من قبل أن يتعلموا النطق، ويصيح تعويدهم عليهم أمرًا سهلاً فى الموعد المحدد".
العادة وأثرها في التربية
وهو مبدأ هام وضرورى قرره الإسلام من قبل أن يقرره علماء التربية فى الغرب بعدة قرون. وأهم ما ورد فى شأن هذا الموضوع حديث رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم فى المضاجع" رواه أحمد
فالطفل حين يتعود الصلاة لمدة ثلاث سنوات، خمس مرات فى اليوم والليلة، عند بلوغه عشر سنوات يستطيع أن يتقنها، ويحافظ عليها، فإذا بلغ سن التكليف، ويكون ذلك عند سن الرابعة عشرة تقريبًا، فإنه يكون قد تعود الصلاة بالفعل، إذ أنه يؤديها أكثر من ست سنوات حسب سن بلوغه.
ولا يشك الكثير من الناس فى أهمية العادة كوسيلة من وسائل التربية الأخلاقية وزرع القيم والعادات الحميدة المرغوبة. وأن من تعود حتى على عادة سيئة يكون من الصعب عليه أن يتركها، بغير عزيمة صادقة وإرادة قوية، وتوفيق من الله تعالى من قبل ومن بعد.
ولذلك فطن علماء التربية الحديثة لدور العادة فى تعلم القيم الأخلاقية، يقول دوركايم: "إن الطفل حين يكرر عملاً مرات عديدة، فإنه يشعر بالرغبة فى إتيانه بالطريقة نفسها، ويكره أن يدخل على طريقة أدائه أى تغيير ولو كان طفيفًا"().
طريقة توضيح القيم:
فالمتعلم يحتاج قبل أن نعمله أى قيمة أخلاقية أن نوضح له مفهوم هذه القيمة، وكيفية ممارستها وأهمية ممارستها وخطورة عدم ممارستها، هذا التوضيح هام جدًا للطفل، ولأى شخص مطلوب منه التعلم.
وقد تكلم عن أهمية هذه الطريقة عدد من علماء التربية فى الغرب منهم على سبيل المثال "لويس ران" و "هارمن" و "سيدنى سيمون" فى كتابهم "القيم والتعليم"().
إن القيم حين يتعرف عليها الطلاب والمتعلمون، ويختارونها بأنفسهم، ويشعروا بحاجتهم إليها، سوف يكونون أكثر ارتباطًا بها، وتنفيذًا لها.
وإن كان أصحاب هذه النظرية من علماء التربية الغربيين يرون نسبية القيم وحياديتها، فإننا كمسلمين لا نرى ذلك، ونؤمن أن القيم مصدرها الوحى قبل العقل، وأنتنا نأتى من القيم ما أمرنا به ديننا الحنيف، ونبتعد عما استحسنه الناس بعقولهم مما حظره الشرع، أو كان ضارًا بالفرد والمجتمع.
طريقة المناقشة والحوار
وهى من الطرق المهمة فى هذا الموضوع بالذات، وهى تطبيق لمبدأ الحوار ولثقافة الحوار، فهى تطبيق عملى لما يراد تعليمه.
وتعتمد هذه الطريقة استخدام الملاحظات والمقارنات وغيرها ما يستثير عقل المتعلم، وجعله يتخذ موقفًا تجاه القضية والمشكلة موضوع النقاش.
وهذه الطريقة تجعل المتعلم إيجابيًا يشارك بفاعلية فى العملية التعليمية، ولا يصبح الاتصال أُحاديًا كما هو الحال فى التعليم التقليدى.
ولقد عنى الإسلام بهذه الطريقة، حيث قدّم لنا الأخلاق والقيم الإسلامية بطريقة مبررة، ولم يقدمها هكذا فرضًا "على أنه سلطة مطلقة مكتفية بنفسها لكى تكون فى أعيننا أساسًا لسلطان الواجب، بل إن ما يثير العبرة فى هذا المقام أن نلحظ على العكس – العناية الفائقة التى التزمها هذا الكتاب فى غاب الأحيان، حين قرن كل حكم فى الشريعة بما يسوّغه، وحين ربط كل تعليم من تعاليمه بالقيمة الأخلاقية التى تعد أساسه"().
ولقد استخدم هذه الطريقة كثير من علماء التربية فى العصر الحديث من أمثال "كولبرج" ومدرسته، وهذه الطريقة من أهم الطرق فى التعليم، وبخاصة تعليم الأخلاق، وزرعها فى نفوس الطلاب، لأنها تحث العقل على التفكير والتدبر، وهى فى هذا تسير مع دعوة الإسلام الذى "يحترم الطاقة العقلية، ويشجعها، ويربيها لتتجه فى طريق الخير"
وذلك لأن العقل ضرورة حتى فى مجال العبادة، والأخلاق حتى لا يضر المسلم غيره من حيث يريد له النفع، فقلة العقل، وقلة استعماله، أو منحه إجازة مفتوحة أو جزئية يضر بعمل الخير وبالأخلاق أيما ضرر.
حتى فى العبادة لأن "عبادة الجهال – كصداقتهم – قليلة الجدوى، وهم يضرون أنفسهم من حيث يريدون نفعها، ويؤذون أصدقائهم من حيث يبغون راحتهم"().
إن التفكير يساعد الطلاب فى تنمية مستوياتهم الأخلاقية ودعم ما يعتقدونه بالحجج والبراهيم القوية فيقفون على أرض صلبة، ولا تتزعزع ثقتهم فيما بعد بم يعتقدونه أو يتخلقون به من أخلاق.
الإثابة والتشجيع، والترغيب والترهيب:
لاشك أن الإسلام فى زرعة للأخلاق فى نفوس المسلمين اعتبر الثواب والعقاب كلاهما من الأسس الهامة فى هذا الموضوع، كطريقة وأسلوب لحث المسلمين على إتباع الخلق الحسن، وإبعادهم عن إتباع سيء الأخلاق. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (فصلى: 46)
وقال: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60)
وقال تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } (الحجر: 49-50)
ولهذا تحدث علماء التربية حديثًا حول هذا الموضوع وطالبوا بضرورة التعزيز (الثواب) وأنه ضرورة لحث المتعلمين على الاستزادة من التعلم، وتثبيت الاستجابة المرغوبة من قِبَلّ المعلمين.
كما أن العقاب أو الزجر يعمل على رفض السلوك السيئ، وعدم تثبيته فى نفوس المتعلمين، ولاشك أن العقاب لا يلجأ إليه المربى إلا بعد استنفاذ الوسائل الأخرى للتربية. فقد يكتفى فى بعض الحالات بالإثابة والتعزيز. وهناك حالات خاصة تحتاج للعقاب، وذلك لأن ضررها قد يتعداها إلى غيرها إن توقف عند حدها، وننبه هنا على ضرورة تنفيذ الوعد فى موضوع الإثابة، وعدم وعد الطفل بنوع من الثواب ثم التخلى عنه أو نسيانه.




